الرئيسية / مقالات / واقع اللغة العربية في الوطن العربي

واقع اللغة العربية في الوطن العربي


احيزية اكروش (باحثة من الجزائر)
تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على زاوية أخرى من زوايا التداخل اللغوي في الوطن تتعلق بذهنيات العرب ونظرتهم للصراع اللغوي الحاصل في مجتمعهم، وتسليمهم بفكرة التحضر اللغوي، ولكن طرح هذه المسلمة يحتاج إلى تقويم وتعديل، وتصويب رؤية معمقة تطرح إشكالا نسوقه في الآتي: هل هو تحضر أم احتضار؟
ولكن قبل هذا وذاك، لابد من رفع الستار عن ما يسمى بالتعايش اللغوي في المجتمع العربي، فاللغة العربية لها قواعدها الصارمة، وقوانينها الفاعلة في تحديد الهوية، فهي ليست مجرد أداة للتواصل بالمفهوم البسيط، بل لها أبعادها السياسية والقومية التي من شأنها أن تغير المجرى الحضاري.
لكن الأزمة التي تمر بها العربية في الوقت الراهن جعلتها عرضة للتشويه حيث تراكمت عليها مظاهر سوسيولسانية (التعددية اللغوية، الازدواجية اللغوية، الثنائية اللغوية…) الناتجة عن عوامل مختلفة وكثيرة: سياسية، واقتصادية، وتاريخية واجتماعية… إضافة إلى التلهيج الذي أصبح روتينا لغويا يكتسح المجتمع التواصلي فاختلت موازين العربية واخترقت قواعدها المورفولوجية، فكانت النتيجة الحتمية غربة لفظية وإقصاء تداوليا يكبح وجود اللغة العربية.
– هل فعلا اللغة العربية عاجزة عن استيعاب تطورات العصر؟ وهل التحضر اللغوي يفرض دمج اللغات الأجنبية واللهجة العامية مع اللغة العربية الفصيحة؟ ما مدى تأثير التعددية اللغوية على الهوية العربية؟
تتجسد كينونة اللغة العربية من خلال الاستعمال السليم، وفق نسق تداولي مضبوط يضمن الحفاظ على القالب اللغوي الأصيل، المعبر عن الواقع الأنثربولوجي الذي يلقي مزيدا من الضوء على اللغة العربية، بأبعادها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، لكي تفهم الميكانيزمات المنتجة للخطاب اللغوي المنطوق بالعربية، ومن الملاحظ تلك التشتتات اللهجية التي تعاني منها العربية الناتجة عن أزمة التعدد مما أدى إلى خرق السياج اللغوي العربي فتداخلت اللغات واللهجات مع اللغة الأم (العربية) بجملة من الألفاظ والعبارات المقتحمة لأحشاء الخطاب العربي، (فرنسية إنجليزية، إضافة إلى اللهجات المتناثر في الأقطار العربية التي طوقت الكلم الفصيح)
وعليه، فإن مشكلة العربية واقع لا مفر منه، يتطلب إعادة الحسابات، وضع البيداغوجيات المناسبة، والبحث عن الحلول ذات المنعكسات الدياكرونيكية والسانكرونيكية، التي ترصد التطورات المتلاحقة والطارئة على اللغة العربية” حيث تفشت ظواهر لسانية متعددة ومتنوعة في المجتمع الواحد، بين ازدواجية وثنائية وتعددية لغوية، مع ما تعنيه من خلط بين العربية الفصحى واللهجات العامية (أو الدارجة)، واستعمال الألفاظ والتعبيرات الأجنبية الدخيلة في السياقات الكلامية وحتى في الكتابة” 1.
الأمن اللغوي أصبح من بين الأهداف الدولية التي أصبح توفيرها أمرا بالغ الصعوبة، نظرا للتراجع اللغوي الذي عرفته المجتمعات العربية، فقد طغى البذخ المصطلحي، وكثرت الصراعات اللهجية، لتتقد حرب لسانية تمحو معالم الهوية العربية، من خلال النزعات المستوياتية (صوتية، وصرفية، ونحوية، ودلالية، ومعجمية)، فلا يمكن غض النظر عن عولمة الاتصال اللغوي الذي شابته تطورات العصر، وتداعيات اللغات الأخرى حول العالم، “وهوما آل إلى ضرب من صراع النفوذ اللغوي فإذا اعتبرنا فعلا أن العالم يشهد اليوم حربا بين اللغات فلإن العالم متعدد” 2.
عن فوضى اللغات نتحدث، فالمجتمع العربي كغيره من المجتمعات العالمية، لم يسلم من احتكاكات اللغات الأخرى المؤثرة بشكل أو بآخر على معيارية اللغة العربية، على الرغم من صرامتها النحوية والقواعدية المورفولوجية التي تحميها إلى حد بعيد من التشابكات اللغوية الناتجة عن عولمة الواقع اللغوي وتصونها من أزمة يمكن أن تقلب موازين الكلام العربي، ولكن مهما حاولنا تبرير هذه الفوضى فإن الواقع ينطق بتدهور لغوي لا يمكن تغييبه ” فالمجتمعات العربية على اختلاف تنوعاتها تشترك في التهميش لغة العربية وعدم الاهتمام بها، فاعتبارها عنوانا للهوية، وعاء للفكر والثقافة وأحيانا يصل الأمر إلى معاداتها والإساءة إليها والتطاول عليها والسعي الحثيث للإضرار بها ومحاربة من يحافظ عليها، ويتمسك بها، ويصد عنها هجوم الكائدين لها الحاقدين على أهلها” 3 .
لربما هذا الكلام مبالغ فيه نوعا ما، ولكن لابد من توضيح الصورة اللغوية، التي يسري فيها كيان الأمة العربية، ويتراكم في مفرداتها تاريخ وحضارة الإسلام.
الغزو اللغوي يؤدي إلى غزو فكري يطمس الوجود العربي من زاوية اللغة، على اعتبار أنها رمز من رموز الانتماء القومي العربي، فإذا تداخلت العامية بالفصحى، واغتصب المعجم العربي، وانتهك التقعيد اللغوي العربي وتواشجت العوامل الداخلية والخارجية، واستنسخت المنهجيات الدخيلة لتطبيقها على تركيب الكلام العربي ،فالنتيجة حتما اضمحلال اللغة العربية الفصيحة، وتذبذبها بين البقاء والانقراض فيتبلبل اللسان العربي، وتتولد مناوشات فكرية وثقافية وتاريخية،” فيتغير المجرى الأصلي للمجتمعات العربية، لهذا فإن المطلوب اليوم هو فرض اللغة العربية وجودها بقوة متكلميها وإرادتهم الصادقة في استعمالها وضخ دماء الحياة في شريانها” 4.
إن ديكتاتورية اللغات القوية تقوم على استراتيجية الاستنساخ اللفظي، والتزاحم المعجمي والسيطرة المجزأة، في شكل عصابات مفرداتية للوصول إلى الاستعمار اللغوي التام، فإذا كان التلاقح اللهجي يصل إلى حد ولادة لغة هجينة تكسر جوهر اللغة العربية المتبلورة في منظومات محكمة لا تقبل التطفل اللغوي، القائم على ديناميكيات مسيّسة تنخر الخطاب اللغوي العربي الفصيح.
من الواضح كذلك هيمنة التطور العلمي على اللغة العربية، حيث غرزت ألفاظ أجنبية في ركائز الواقع اللغوي، وهي (المؤسسات التعليمية، والمؤسسات الإدارية، والشاشات التلفزيونية، والإذاعات وكل وسائل الأعلام…) تحت مسمى الحاجة اللغوية، متهمين اللغة العربية بالعجز والقصور، ومحتجين بمواكبة العولمة، مهملين المعجم العربي وآليات التوليد السليم المبني على مناهج عربية تحفظ الطابع الخام لها، وحتى الأدب أصبح فرانكفونيا، أوملهّجا( المزج بين العربية الفصيحة والعامية)، بداعي التبسيط والتيسير ومواكبة لغة المجتمع، وترجمة الواقع المعاش وفق نظام المحاكاة لسد الشرخ اللغوي المتسبب في تخلف العرب عن بقية الشعوب الأخرى في دول العالم، ولكن في حقيقة الأمر -وهو الواقع الذي نتحشى التصريح به- هو مساعدة غير مباشرة على تحطيم الثوابت اللغوية العربية، فلجئوا إلى عدة وسائل لتبرير النحر اللغوي، والتخفي وراء ستار التوسعة اللغوية وتجديد المعجم، وترسيخ فكرة التدخيل المعجمي الأجنبي في المعجم العربي مثل: الاقتراض، والتعريب، والترجمة الحرفية…
لكن هذه الآليات خلقت مشاكل مذيّلة، شوهت اللغة العربية من بينها:
– الازدواجية اللغوية (le bilinguise) مثل: العربية والفرنسية (الفرونكفونية).
– اللهجة: المزج بين العربية والدارجة.
– التعددية اللغوية مثل: العربية والفرنسية والعامية.
كل هذه الظواهر ساهمت في هدم عمران اللغة العربية، وزعزعة هوية المجتمع العربي فالتسليم بمبدأ التعايش اللغوي من شأنه أن يزيد من حدة الأزمة ما لم يكن مضبوطا ومنسقا ومرسوما على خطوط مرئية، تضمن بقاء العربية بالكفاءة السليمة، التي تقي اللفظ من التصدع، والدلالة من الانحرافـ، وتؤكد على استقرار العربية، إلا أن هذا لا يتحقق إلا بممارسة لغوية تحد من هيمنة اللهجات المحلية، واللغات الأجنبية التي فرضت نفسها جراء عدة عوامل أبرزها الاستعمار- فأغلب البلدان العربية كانت مستعمرة من قبل دول أجنبية.
خلاصة القول إن الحفاظ على الهوية العربية يتطلب العودة إلى التراث والاستلهام منه لتحقيق الاكتفاء اللغوي، بدل اللجوء إلى الوسائل التي تحشر اللغات الأخرى واللهجات العامية المذيبة لكيان اللغة العربية، وذلك بتقنين الاستعمال لأن “قضية هيمنة اللهجات الغربية على اللغة العربية… قضية تمس الأمن القومي للدول العربية جميعها، باعتبارها المجتمع اللغوي الرئيسي” 5.
المعالجة المستمرة لهذه الظواهر اللسانية واجبة في حق اللغة العربية، أولا لأنها لغة القرآن الكريم أي لغة الدين الذي نعتز به، وثانيا لأنها تجسد جانبا من الهوية العربية، فاللغة بأبعادها(الدينية والسياسية والتاريخية…) تضمن استمرارية الحضارة العربية، فالتأطير اللغوي والحماية المستمرة للسان العربي بثكنات بيداغوجية تمنع استباحة اللغة، وتلغي فكرة الشيخوخة المبكرة للعربية التي تجعلها لغة عاجزة في نظر الأجيال القادمة، وتحتاج إلى لغات أخرى تتكئ عليها، فتنسلخ من قواعدها، وتتجرد من ضوابطها لكي تحتضن واقع متكلميها.
مثلا في الجزائر تقال الجملة الآتية:
السلام عليكم، واش راك، bien؟

مخطط يوضح تشريح مثال من اللهجة الجزائرية

2- الأدب مرآة الواقع اللغوي:
كان الأدب منذ العصر الجاهلي ولا يزال اللسان الناطق بحال الأمة، والترجمان البليغ للواقع المعاش، والجسر الممتد بين الفكرة والمرجع، فهو يمثل ذاكرة الأمم ويحافظ على وتيرة نقل المعلومات المرحلية، ويعكس صورة وواقع اللغة في كل عصر من العصور.
فالعرب على سبيل المثال تميزوا بلغة يمكن القول باستحالة وجودها ثانية بتلك المقاييس العالية الجودة في عصرنا، وهي مرحلة الجاهلية حيث كان الأدب الجاهلي” شفيها يحفظ في الذاكرة لا في الأوراق، والشعوب الفطرية أحد ذاكرة من الشعوب المتحضرة، التي شاعت الكتابة عندها، لأن الشعب الذي لا يملك الكتابة يعتم عليها في حفظ آثاره، يضطر إلى استخدام ذاكرته، للحفظ فتقوى بالاستعمال، ويسهل عليها اختزان مختلف الآثار، وتكثر الرواة في العصور الشفهية، فتقوم مقام الكتب والدفاتر” 6 .
الأدب وسيلة من وسائل التأريخ اللغوي فهو يحدد كل الظواهر التي اجتاحت الساحة اللغوية خلال مراحل متعددة، إذ ينقل كل الميزات اللغوية التي من شانها أن تبرز هوية الخطاب بكل أبعاده وزواياه، فالعربي في الجاهلية” عبر عن قضاياه التي ليس لها حدود، وكل ما يجيش في نفسه ونوازعها بالمنظوم، فإن لم يستأنس به فبالمنثور ومن كليهما بالحكم والأمثال، بالسجع والتكرار، بالقصص والوصايا، وأي شيء آخر استطاع من خلاله أن يبلغ هدفه” 7، أي أن هذا الأخير له فاعلية في محاكاة الطبيعة المعاشة بأسلوب لفظي له ميزاته وخصائصه المشبعة بلمسات فنية، وفي نفس الوقت هو إطار تطبيقي لكل الظواهر اللسانية التي تواكب عصر النص الأدبي المُقال، وبالتالي هو صورة عن الواقع بأبعاده النفسية والشعورية والمادية، والسياسية والاقتصادية….هلم جرا.
الأدب ينمي العقول، ويجعل من المتلقي مستقرئا مثاليا لواقعه، ويشعره بقيمة ما ينطق أو ما يقال بصفة عامة، كما يشعره بالتقصير اللغوي، أي يبث في ذاته الوعي اللغوي ” فكأنما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها وتظهر قوتها، وتطلع فوق الأرض بزهرتها وريعها ونضرتها، ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور غليها في مستودعها فيذهب عنها أذى اليبس والموت، ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة، فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغرزها من القلب، لا قوة لها ولا حياة بها ولا منفعة عندها حتى يعتملها الأدب الذي هو ثمارها وحياتها ولقاحها” 8
لا يزال الأدب إلى اليوم الوسيط الفاعل في حياة اللغة العربية، إلا أن الزحف اللغوي الغربي لم يستثن الأدب، إذ أصبح هذا الأخير يحاول مساوقة الواقع بلغته ولهجاته، فنجد الروايات مكتوبة بمزيج من اللغات لتكتسب طابعا فرونكفي أو اللهجات، أي نقل حي للغة.
وقد وقف الفكر العربي تجاه الوافد الغربي في هذه الفترة بين الرفض والنفور من ناحية والاستيعاب والتمثل من ناحية أخرى، بين القيد والتحرر، بين الانغلاق القائم على الحذر والخوف والترقب والخشية والتمسك بالقديم والاحتماء بالتقليد، وبين الانفتاح القائم على الثقة بالنفس والقدرة على التجديد” 9.
إلا أن كل المحاولات لتفادي الاختلاط اللغوي في الأدب لم تكن من النجاعة ذاك الشأن، لتحقق البغية المنشودة إذ نجد كثيرا من الروايات الفرونكفونية أو المزاوجة بين الفصيح والعامي، طبعا هذه الاستراتيجية لم تقتصر على الأدب في حد ذاته وإنما مست كل المجالات اللغوية ومختلف العلوم، وكل الحضارات فلم” تخل امة ذات حضارة من أدب يمثل طابعها، ولم تقف حركة التبادل الحضاري على مر التاريخ بالرغم من اختلاف اللغات، ووسائل التعبير…باختلاف اللغات والحضارات وتقبلها المثالية الجانحة إلى السمو والبراجماتية المشغلة كل طاقاتها للنفع الاجتماعي والسببية المترفعة عن التعامل مع الكلمة” 10 فإذا أردنا الوصول إلى الغاية من هذه الطفرة التي جعلت من الأدب الوسيلة المثلى لترجمة الواقع، وساهمت في توليد العلاقة بينهما .
الأدب كغيره من الفنون التي انتهجت كوسيلة لتدوين اللغة والتأصيل لها، مكون من عناصر تجمع الجوانب المادية والمعنوية وهي: “العاطفة، والفكرة، والخيال، والأسلوب ونضيف الواقع أو التجربة” 11
وبما أن الأدب يمثل عاملا من عوامل الحفاظ على ركازة اللغة العربية، فلابد من توخي الحذر أثناء التعامل معه، وذلك بالتحرز من “العاميات أو التفرعات اللهجية…والتواصل عبرها أومن خلالها…وهو أمر يلقي بظلاله التفكيكية على نسيج المجتمع الواحد، والأمة الواحدة، وقد يفضي إلى تباين ثقافي وتفاضل عرقي، قد يوديان بوحدة نسيج الأمة وآلفها وتعارفها، وفي ذلك ضياع الهوية والثقافة والدين… فالتحول إلى العربية الفصحى هو الحل المثالي والنموذج المعياري الذي يتعين توخيه والالتزام به” 12.
لكن مع ظهور ما يسمى بأدب الشوارع أصبح الأمر أكثر تعقيدا، حيث تمرد اللسان العربي ومزقت شرنقة القاعدة الأصلية، ليصبح الشارع ملاذ الكلمة العربية، وتشرد في الأزقة والأحياء وحتى الغابات، وهي ظاهرة ليست وليدة العصر، وإنما هي مؤصلة في أعماق التاريخ فالنقوش القديمة تنقل لنا صورة موثقة للحياة الاجتماعية، فهي بمثابة الأوعية التاريخية يصعب الطعن في أصالتها فالمعلقات مثلا على نمط الجداريات، وكأنهم يعلمون مدى صلابة هذه الوسيلة في نشر تلك الأشعار والسبيل الأمثل للتباهي والاعتزاز بلغتهم الفصيحة.
إذن فالأدب رسالة تنقل الواقع إلى الأجيال المتلاحقة وتعكس كل الحيثيات الاجتماعية.
1- صراع اللغة العربية مع الحضارة والهوية:
تتضارب الذهنيات العربية حول قابلية التداول اللغوي الفرنسي في مجتمع إسلامي كتابه المقدس القرآن، وبغيته حماية لغة القرآن، بين مؤيد ومعارض فهنالك فئة ترى الفرنسية معلما من معالم التطور والتحضر، أو بعبارة أخرى موضة لغوية تعكس شخصية بورجوازية مرموقة.
وقد تتوزع التعددية اللغوية بشكل متفاوت عبر القطر العربي، فقد “تتمثل في البلدان التي تعرضت للاحتلال، فهي تتحدث اللغة الفرنسية وتفتخر بالثقافة الفرنسية” 13، ولكن هذه المسلمة لا يمكن أن يؤخذ بها في مجتمعات إسلامية تعد العربية احد مقوماتها وركائزها، كما يجب إلغاء الأنا طالما هذه اللغة مشتركة بين الألسن في الوطن العربي، إذ لا يحق لأي أحد أن يفرض ذاتيته على الكيان اللغوي أو يحاول المساس بالهوية الحضارية، فيزرع لغات أجنبية داخل المجتمع بحجة التحضر اللغوي فاللسان “يستعير ثنائيات الغالب والمغلوب، المهيمن والمهيمن عليه، الأعلى والأدنى، العلمي والأدبي وكلها تصنيفات إيديولوجية نفسية سياسية سلطوية، لا تغيب ولا تغيّب حين يعالج اللسان ولغته قضيتين لسانيتين تعليميتين في بيئة متعددة الألسن واللغات كالجزائر” 14
الفجوة بين الهوية والحضارة تخلق شرخا لغويا يحدث تبعية لفظية تمحو وجودية الذات العربية، فإن كان التحضر اللغوي يؤدي إلى إعادة البناء اللغوي بما يناسب مقتضيات العصر وذلك بإذابة اللغة العربية في الأنسقة الأجنبية، أو إنزالها إلى مستوى العامية الرخوة، التي لا يضبطها لا قانون ولا قاعدة.
لكن هذا لا ينفي وجود علاقة تكاملية بين الحضارة واللغة والهوية، فالحضارة ترسخ اللغة وتحافظ على بقائها، واللغة توجد الهوية وتترجمها،” فالمخزون الحضاري يمد اللغة بالعمق والتجذر مما يبقيها حية مقاومة، وإذا اتلف هذا المخزون هدرا دون أدنى وعي من أصحابها فسرعان ما تنخلع من جذورها، لتنضغط في –شعور أصحابها، وتتضاءل لأنها تعيش بنفس راعيها وحارسها، ولو انشغل عنها، وأقصاها من مجاله التداولي فستنكمش وتضيق، ويفقد معها تقاسيمه وملامح أبعاده لأن مخزونها هو الذي يطبعها ويلونها ليحظى فيها بالمكان والزمان” 15.
لكي يتحقق اقتدار اللغة العربية ومسايرة التطور الحضاري، وخلق ما يسمى بالتحضر اللغوي بمفهومه الحقيقي من غير اضطهاد للعربية، وجب توفير وضع متزن ينبني على القومية المحافظة على الثوابت الحضارية، دون إقصاء تعسفي للغة العربية، أو صهرها في أنظمة لغوية أجنبية، تحت مسمى الحاجة اللغوية لضمان مواكبة العولمة،،”بل يجب تكريس وسائل وأدوات في كل زمان ومكان، ورسوخ ذاتيتها وثباتها يكون باستثمار معطيات حركية الزمن، وما ينتج فيه عبر الأمكنة المختلفة التي قد تتوسع أكثر فأكثر لترتسم فيها الهوية والانتماء والتغيير” 16، فلا ينبغي تصوير الواقع الحضاري على انه مفترس للغة، فنحن في مثل هذا الوضع مطالبون بتعميم اللغة وتوسيعها وإنتاجها واستهلاكها بمناهج تكسبها التوازي، حتى” تشكل قوة وغنى يؤكد مكانة وقيمة أصحابها”17.
تقوم اللغة بالحفاظ على الهوية والانتماء الوطني والديني، من خلال تحدي المتغيرات الحضارية، وإخضاعها لاستراتيجيات السلطة اللغوية، لذا فإن التحكم في حرب اللغات لا يتم إلا إذا فرضت العربية على الحضارة .
3- أدب الشوارع هم لغوي أم فن اعتباطي؟:
“دائما ما تستوقفنا في الشارع عبارات وخرابيش قد خطت على أحد الجدران، لا يعرف من خطها ولا يوجد مكان محدد لكتابتها، قد نشاهدها على جدران شركة أو محل أو حديقة…الخ، رغم بساطتها لكنها تحمل معاني عميقة ومعبرة، وقد تكون ساذجة فكاهية .
أدب الشوارع كان أحد أبرز الأسلحة للثورات في العالم، اتخذ الثائرون من الجدار مكانا للتعبير عما في داخلهم، فالثورة السورية انطلقت من خرابيش الأطفال على أحد الجدران وفي الثورات يسمى من يكتب الشعارات على الجدران “الرجل البخاخ ” وفي الأماكن الهادئة نلاحظ أن المراهقين هم من يستلم المبادرة إما بعبارات غزلية أو عبارات ساذجة ” 18.
القارئ لهذه النبذة المختصرة التي توجز كثيرا من المعاني، وتوصل زخما من الدلالات، يلاحظ القيمة اللغوية الكبرى لهذا النوع من الأدب، على الرغم من أنه غير معروف ولم تتطرق إليه دراسات سابقة، ولكنه بالفعل موضوع جدير بالدراسة، ويستحق أن يفتح له باب في الدرس اللغوي، فهو يعكس لغة المجتمع، ويحمل على عاتقه هموم اللغة قبل الفرد
أدب الشوارع شريط إعلامي يمر بك كلما سرت بأزفة الشوارع، أو أحياء المدن، فهو إعلام للغة الجيل الصاعد الذي لا يعلم أن هذه اللغة التي يدونها على الجدران هي ناقل حضاري يوصل معلومات مغلوطة للجيل القادم، ففي كثير من الأحيان تكون تلك العبارات والجمل مزيجا من العامية والفصحى أو الأجنبية والفصحى، حيث تتداخل فيما بينها لتخلق لغة هجينة ترسخ في جذور المجتمع
أدب الشوارع قضية لغوية لها أبعاد متعددة على اللسان العربي، فهو يعكس الصورة الحقيقية للغة العربية خارج نطاق التعليم في حالة ازدواجية هذا الأدب وتداخل مفرداته ولربما هو الأنموذج الأمثل لدراسة مطبات اللغة، وتشريح النظام اللهجي لأفراد المجتمع العربي، حتى وإن رآها الكثيرون مجرد خربشات خطتها أنامل المراهقين ولكن لابد من التأكد أن هذا المراهق هو الحامل للواء اللغة .
فكلما هيمن اللحن على لسانه وتمادى في تدوين تلك اللغة الهجينة ازدادت احتمالية التشتت اللغوي واستُحدَثَت بدع لغوية تذيل أزمتها، حتى وإن كانت غير مقصودة أو مجرد إفراغ للشحنات اللغوية إلا أنها تؤثر على الواقع الحاضر والمستقبل المرتجى، فكل رسالة حرفت شفراتها تنقل كما هي، لأن القناة لم تضبط بمعايير تواصلية خاضعة لتصحيح أو تعديل أو حتى دراسة تنقب عن حلول تردع هذه الكتابات العبثية.
إلا أنه لا يمكن إنكار دور أدب الشوارع في إلقاء الضوء على العديد من المشاكل اللغوية فكأنما هي الدليل القاطع على التمازج اللغوي بين الفصيح والعامي، يقول أنس يوسف:” قد نتفق جميعا على أن مجتمعاتنا العربية تعيش في هذا الزمن تغيرات لبعض العادات ومكتسبات داخلية علينا يرجعها الأغلبية إلى الانفتاح على العالم الخارجي، طريقة لا تمت بأي صلة لما هو متأصل فينا طريقة كلام أو تعبير لا يمكن إلا أن نقول عنها مقتطفات لكلمات أو جمل مشفرة تحتاج لقاموس جديد”.
(تحتاج لقاموس جديد) عبارة تستحق الاهتمام، وهذا دليل على أن مستقبل اللغة العربية في خطر ما لم تتحرك الهيئات والمؤسسات لإيجاد حل لهذا الشاهد التاريخي على لأزمة اللغوية كما نستوحي من هذا القول أن توالد خلايا القضية يحث على إيجاد ترياق لغوي، يوقف سيرورة هذا السم في شريان اللغة العربية، ويبعث أكسير الحياة في لغتنا المستباحة من قبل القريب والغريب، وتسيّيجها بقوانين وبيداغوجيات لا تستثني الشارع والمؤسسة، أو الكتب أو الصحافة أو التلفاز…بل يجب توظيف ميكانيزمات صارمة تقلص من هذه الفوضى الأخطبوطية، وتمنع الذوبان اللغوي، والتبعية المصطلحاتية فاللغة ” هي الكينونة الأكثر حضورا، في الإنسان لكثر استعماله لها ومعاشرته إياها” 19
أدب الشوارع قادر على أن يقلب توقعات المستقبل اللغوي، فتهميش المعالجة السريعة الذي يزحف إلى الأجيال القادمة بصمت وفي غفلة من أهل الاختصاص، يمكن له أن يجعل تلهيج اللغة أمرا راسخا في صميم المجتمع اللغوي، وينقش على مدارج التاريخ، وبالتالي يصعب ترميم البناء المعماري للغة فكل تركيب لغوي يدون، أو نص ينتج من شأنه أن يتخذ أسلوبا كلاميا يتبع، أو ينسب إلى كلام العرب الفصيح، وبالتالي تصبح تلك العفوية في التعامل مع اللغة تحريفا تاريخيا، وتمزيقا لغويا ناتجا عن تمرد الألسنة العربية على اللغة الأصلية، لتخرج عن طابعها الخام، إلى ابتداع غير منطقي ولا ممنهج يمس التفاصيل اللغة ويستنزف هوية الأمة العربية.

نماذج من أدب الشوارع:
الملاحظ عن هذا النموذج، أو بعبارة أخرى الشاهد اللغوي على تقهقر اللغة العربية في هذه الحقبة التي عرفت بالكتابة على الجدران، فهي تؤخذ كمتنفس للشباب، لكن عواقبها وخيمية على اللغة العربية، حيث نجدها مليئة بالأغلاط التي تنقل إلى الأجيال الأخرى، أخطاء نحوية وصرفية وإملائية، وتعدديات لغوية بين عربية وفرنسية وإنجليزية وحتى لهجية.
وبالتالي فإن الجيل القادم يتلقاها كما يسمعها، لا بل كما يراها على الشواهد الحضارية التي يعايشها، ولا يقف المشكل عند هذا الحد فقط، بل نجدها شعارات تتداولها الألسنة، فكأنما أصبح الشارع شبحا يحيط باللغة العربية من كل جانب، والأدهى والأمر أنه يستحيل التحكم في هذه المشكلة، فهي بعيدة عن كل القوانين والقواعد، فالشارع له حرية التصرف فيما يدخله، فتحدث التلاعبات العشوائية لمفردات اللغة العربية.
عندما تقع اللغة العربية في هذا الشرك المغفول عنه، تتشكل أنسجة كلامية هجينة تعتمد النمط المكتوب الصامت في الانتقال، فلا يحس الناطق بما تعانيه لغته في صمت، فتنتج تلك الصراعات بين الهوية واللغة، إذ تكون على مقربة من الاضمحلال في خضم الاستعمالات المتمردة للسان العربي، فتلك اللغة المتسكعة في أزقة الشوارد تشرد المعجم العربي وسط المعاجم الأعجمية، وتحرمه الثبات على شاكلته الأصلية، ليولد معجم صعلوك خارج عن القاعدة، وله من المرونة ما يكيف كل لفظ بحسب القالب الذي يضعه فيه المستعمل.
يتفنن الشباب في ابتكار أساليب جديدة للتعبير، ومن بين تلك الأساليب التي تعود على العربية بالسلب أدب الشوارع، أخذناه كمثال فقط عن مشكلة لم يسلط عليها الضوء بعد، فالخلط الواضح في اللغات، والتعسف المعجمي الذي تتعرض إليه العربية جعل منها هشة، لا تقوى على الدفاع عن كينونتها وبالتالي طمس الهوية العربية التي تقوم على لغتها.
من الواجب وضع خطط بيداغوجية، وسياسات لغوية مضبوطة للقضاء أو للحد والتخفيف من هذه الآفة، وضبط الاستعمال، وجعله هذا الأدب أدبا له مساحته الخاصة، ينفع بدل أن يضر اللغة العربية، فلا يمكن أن ننكر أن هذه المقتطفات الحائطية الجميلة تمتاز بمنتهى البلاغة والدقة والجمال في كثير من الأحيان، لكن لابد لها من بعض الأطر المنهجية، التي تجعل من دياكرونيكيتها جسرا ناقلا للغة سليمة، وحافظا على هوية عربية أصيلة.

خاتمة:
تتمرد الألسنة العربية على اللغة العربية، فتنزاح عن الفصحى وتدخل في دوامة التهجين لتطمس معالم العروبة من ثنايا التاريخ، وبالتالي تخلق أمة تابعة لا كلمة لها ولا قرار، مجردة من استقلالية الفكر وملكية اللغة، وخير ما أختم به وصية عبد الحميد بن باديس:” إنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة، أعلم أبناءها، وأجاهد في سبيل دينها ولغتها، إنني أعاهدكم على أنني أقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليهما، وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم وأطلب منكم شيئا واحدا وهو أن تموتوا على الإسلام، ولغة الإسلام والقرآن”.
وضع عبد الحميد بن باديس اللغة في المرتبة الثانية قبل القرآن، لأن الحفاظ عليها مسؤولية عظيمة ولأنه كان يعلم أن هذه الحروب والاستعمارات كان هدفها الأول هو طمس الهوية العربية الإسلامية فهذه العرقيات اللغوية التي أثقلت كالها، والحشرية الأجنبية التي أوهنت اللغة تحتاج إلى حلول تصحح الواقع اللغوي العربي، وتحد من التداخلات اللغة الهمجية التي تمزق النسيج اللغوي للعربية، فهي رمز الهوية القومية والانتماء الديني، ولا يكون هذا إلا بالعودة إلى العربية وإقصاء فكرة التحضر اللغوي والعولمة اللفظية، وبث لاعتزاز اللغوي بين الأجيال العربية.
• الهوية واللغة وجهان لعملة واحدة، فغياب أحداهما يعني غياب الأخرى.
• أدب الشوارع خطر على اللغة العربية، قبل أن يكون فنا أدبيا يمكن انتهاجه للتعبير عن اختلاجات الذات.
• تمرد اللسان العربي، واستعماله بأسلوب عشوائي في محيط ناقل للغة يضع العربية تحت مطرقة التعددية، وبالتالي الانغماس في معاجم أجنبية تمحو أصالتها، والتحصيل الحاصل غياب الهوية العربية.
• التكتلات المعجمية الخاطئة على جدران الشوارع شاهد لغوي حضاري.

الهوامش:

1 – الحبيب النصراوي، في الازدواجية اللغوية والهوية العربية، مجلة الإذاعات العربية ع4، 2013، ص7.
2 – المرجع السابق،ص9.
3 – عبد العزيز بن عثمان النويجري، حاضر اللغة العربية، مطبعة الإيسيسكو، الرباط ، المغرب، 2013 ص13.
4 – الحبيب النصراوي، في الازدواجية اللغوية والهوية العربية،ص10.
5 – عبد الجواد توفيق محمود، الواقع اللغوي في العالم العربي في ضوء اللهجات المحلية واللغة الإنجليزية ، رؤى استراتيجية، يناير 2014،ص11.
6 – بطرس البستاني، أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام حياتهم وآثارهم ونقد آثارهم، دار مارون عنود 1979، ص36.
7 – حسين الحاج حسن، أدب العرب في عصر الجاهلية، المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع، بيروت، لبنان، ط3 1997،ص271.
8 – إنعام فوال ، الأدب الصغير والأدب الكبير عند ابن المقفع، دار الكتاب العربي،بيروت، لبنان، ط3، 1999 ص16.
9 – خالد يوسف، الأدب والوظيفي في الوطن العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين ، مؤسسة الرحاب الحديثة، بيروت، لبنات،ط1، 2008، ص7.
10 – أحمد سيد محمد ، المصدر الأدنى مفهومه وأنواع دراسته، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط21986،ص16.
11 – ينظر: شوقي ضيف، الأدب والنقد، دار المعارف، 1999، القاهرة، مصر،ص13.
12 – عباس المصري وعماد أبوالحسن، الازدواجية اللغوية في اللغة العربية، المجتمع، ع8،2014،ص39.
13 – مسعود خلاف، التعليمية وإشكالية التعريب في الجزائر –العلوم الاقتصادية نموذجا-، إشراف: حسن كاتب، مذكرة لنيل شهادة الدكتوراه، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة منتوري، قسنطينة، الجزائر، 2010-2011،ص 3.
14 – ذهبية بورويس، اللغة العربية بين التعدد اللغوي والتفعيل المعرفي، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، الجزائر،ص1.
15 – عبد العزيز عزت الخياط، ، اللغة العربية أصل اللغات وذاتيتها وتأثيرها، الدار المتقدمة، عمان ،الأردن، 2005،ص24-25.
16 – تأليف مجموعة من الباحثين، اللغة والتواصل التربوي والثقافي – مقاربة نفسية وتربوية- ، الدار البيضاءالمغرب،2003،ص45.
17- نص مأخوذ من شبكة نسيم الإبداع
18 – باديس لهويمل، اللغة العربية في عصر العولمة والعلمانية والواقع والتحديات، ندوة المخبر، اللسانيات مئة عام من الممارسة، قسم الآداب واللغة العربية، كلية الآداب واللغات، محمد خيضر، بسكرة، ص11.

شاهد أيضاً

الهوية اللغوية .. القوة المعاصرة

مصــطفى غَــلْمَـان لا شيء يغني عن الاستنجاد بالهوية اللغوية والاقتراب من دفقها ورسوها في الثقافة ...