الرئيسية / مقالات / هذا السلوك اللغوي !

هذا السلوك اللغوي !

عبد الصمد بن شريف

معظم الخطب التي يلقيها العديد من الوزراء في بلد كالمغرب تلقى بالفرنسية، وكأنها موجهة إلى جمهور فرنسي. وعندما يدلي هؤلاء بتصريحات إلى وسائل الإعلام، خاصة التلفزيون، فإنهم يحرصون على أن يفعلوا ذلك بفرنسية تنم عن تشبثهم بشروط ومعايير الانخراط في صف الحداثة والديمقراطية!
هذا «السلوك» اللغوي يثير حفيظة الأغلبية الساحقة في المجتمع المغربي، لأنها ترى فيه استهتاراً بمكونات الهوية الثقافية والحضارية المغربية، التي تعتبر العربية إلى جانب الأمازيغية، إحدى مقوماتها الأساسية، وتشعر هذه الأغلبية بأقصى درجات الاستفزاز عندما تلاحظ أن «فرنسة» الحياة في المغرب، عوض تعريبها أو تمزيغها ليست صدفة أو بالأمر الغريب، بل هي إجراء وخيار منهجي مفكر فيه، يبتغي الحفاظ على مواقع وامتيازات وروابط نخبوية، لكنها تقليدية مع صناع القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي في فرنسا.
وليس مفارقة أن ينخرط رجال الأعمال المغاربة حتى النخاع في المناخ الفرنسي، فهم حسموا خياراتهم اللغوية والثقافية، وباتوا يتواصلون في اجتماعاتهم وعلاقاتهم، حتى خارج مقرات عملهم، باللغة الفرنسية، بل يرفضون مبدئياً التحدث بالعربية أو حتى بالعامية المغربية التي تعتبر على الأقل لغة مشتركة بين مكونات الشعب كافة.
واللافت للنظر أيضاً أن صناعة الإعلان في المغرب يهيمن عليها بشكل يكاد يكون مطلقا، المنتصرون لـ «خيار فرنسة المغرب»، فالإعلانات التي يبثها التلفزيون أو تلك المثبتة فوق جدران البنايات، أو المنتشرة في أهم شوارع المدن المغربية، معظمها مكتوب بالفرنسية، باستثناء بعض المواد الاستهلاكية الأساسية التي يفترض أنها موجهة إلى عموم الشعب، وكأن هذه الإعلانات تستهدف الفرنسيين.
وحتى المستشفيات التي يفترض أن تعتبر مؤسسات إستراتيجية من الدرجة الأولى، لا تجد فيها أثراً للغة غير الفرنسية، وكأن جحافل المرضى القادمين من المناطق النائية، يتحدرون من باريس أو بروفانس أو كيبيك. والشيء نفسه ينطبق على المؤسسات المصرفية، فكل الوثائق مهما صغرت قيمتها، تنجز باللغة الفرنسية، رغم أن جزءاً كبيراً من الزبائن لا يلمون بهذه اللغة.
وأسوأ ما في الأمر ،أن جزءا من الموظفين على اختلاف مراتبهم والأطباء والصيادلة والمهندسين ومدراء الشركات والجيل الجديد من التكنوقراط، يميلون بكل حماس إلى تداول اللغة الفرنسية. ولا يحرج هؤلاء في شيء أن يتجاهلوا مواطنيهم ومقتضيات التواصل مع محيطهم. ويكتفون بإجابة واحدة عندما تثور في وجوههم أسئلة من هذا النوع، مفادها أن المسألة تتعلق بعادة لغوية، أي أن الموظفين والمسؤولين مهما علت أو دنت مراتبهم تعودوا على الحديث بالفرنسية، لا أقل ولا أكثر.
إن الذين يظهرون اليوم قلقا على المستقبل اللغوي في المغرب ويتألمون لما يلاحظونه من تيه وشيزوفرينا لدى المغاربة، هم من يجد لذة استثنائية في التحدث باللغة الفرنسية. وعندما يرافعون من أجل استعمال الدارجة المغربية، فإنهم ينافقون، لأنهم أصلا لا يتحدثون بها ،أو يعتبرونها لغة غير راقية وغير حية، وتبعا لذلك فهي لا تليق بلسانهم .
………………………….
* تنويه: مقاطع من مقال كتب ونشر في يونيو 2010 وتضمنه كتابي”الرهان والرهينة” في 205 صفحة والذي صدر في شهر يوليوز 2013 ضمن منشورات الحوار العمومي .

شاهد أيضاً

قضية المصطلح العلمي في اللغة العربية.

محمد أديب السلاوي -1- لقد طرحت مشكلة المصطلح العلمي في اللغة العربية غير ما مرة، ...