الرئيسية / مقالات / مجتمع المعرفة

مجتمع المعرفة

علاء الشاطر

يندرِج هذا البحث ضمن كتاب الهويّة العربيّة والأمن اللّغويِّ الذي قام بنشره المركز العربيُّ للأبحاث ودراسة السياسات، وقام بتأليفِ فصوله الكاتب عبد السلام المسدي؛ حيث نركِّز العرض على الفصل السابع المُعنون بمُجتمع المعرفة، الذي يدور حولَ عرضٍ مفصَّل لمجموعَة من الوثائق الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربيّة والثقافة والعلوم (الألكسو)، إذ قام المسدي في هذا الفصل بطرح القضايا التي تُعالج سُبلَ الوصول إلى مجتمع المعرفة كما رسمتها المنظمة بتركيزها على قضيّتين جوهرتين هما؛ السياسة اللغويّة، والتخطيط اللّغويّ.
يرتبِط مجتمع المعرفة عند الباحث بفعل القراءة والمراهنة على العِلم، فمِن أهمّ خصائصه تحكيم العقل في إدارة شؤون الناس وليسَ لغيره من الغرائز الثقافيّة والعواطف أو الأحاسيس، حيث يُمثِّل الباحث لهذا المُجتمع بالقيم الرمزيّة التي جاءَ بها النصّ المقدّس والتي صاغها في قالبٍ من الاستفهام الحجاجيّ: أفلا تنظرون؟ أفلا تتفكرون؟
كما أنّ النهوض باللّغة العربيّة رهينٌ لدى الباحث بتحقيق الشروط التي تجعل من مجتمع المعرفة أمرًا واقعًا. فالقضيّتان (النهوض باللّغة العربيّة وتحقيق مجتمع المعرفة) متلازمتان تستدعي الواحدة منهما الأخرى رغمَ الفصلِ الواجب بينهُما. ويوضح أن قضيّة النهوض باللّغة العربيّة ليست بالقضيّة التربويّة ولا المعرفيّة؛ إذ لا يُمكن قصرُها في سياج التعليم مضمونًا ومناهجَ، أو حصرُها في دوائر الجهات ومراكز الأبحاث، لأنّه يُرجع السبب وراء مستوى الأداء اللّغوي الشائع داخل المؤسسات التعليميّة للاختيارات السياسيّة العربيّة في موضوع اللّغة. وهو ما اعتبره الشاهدَ على تداعي الوعي بمفهوم الهويّة والأمن اللّغوي إلى حدِّ التهافُت أو الضياعِ، على حدِّ تعبيره.
كما يُبرز الباحث أنّ المنطلقَ السابقَ الذكرِ يكشف عن التمثُّلات التي هيّأت إعداد وثيقة المنظمة العربيّة للتربيّة والثقافة والعلوم (الألكسو) التي ربطت “النهوض باللّغة العربيّة” عبر “التوجُّه نحو مجتمع المعرِفة”، مُؤكِّدةً (الوثيقة) على دور اللّغة العربيّة في الحفاظ على هويتنا العربيّة، وتوحيد الأمة العربيّة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، وذلك بتحقيق التواصُل والتفاعل بين أبناء الأمّة العربيّة باعتبارها أساسَ القوميّة العربيّة وعنوانَ الشخصيّة العربيّة وذاتيتها الثقافيّة ودورها في دعم التنميّة المُستدامة وكونِها سبيلَ الأمّة نحو التوجُّه إلى مجتمع المعرفة والتطوّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ… مُعرِّجةً على قولها بفقرتين تبيّن فيهما ضرورة وضع الخُطط والسياسات اللّغويّة لتمكين اللّغة العربيّة والحفاظ عليها من تحديّات التي تواجهها في ظلّ العولمة. فمضمون الوثيقة ـ حسب الباحث ـ يَقرِن بين اللّغة والهويّة، وبين اللّغة والتنميّة، وبين اللّغة وتحديّات العولمة، وبين اللّغة والنهضة المعرفيّة وهي تَعالُقاتٌ صائبةٌ من جهة تصوّره، غيرَ أنّه يستنكر تَعويمَ قضيّة النهوض بالعربيّة في عدد من القضايا الكُبرى؛ لأنّ ارتباط اللّغة والهويّة ليس مرهونًا بالنهوض باللّغة العربيّة، معتبرًا أنّ ضُعف الحالة اللّغوية في كثيرٍ من الحالات يكون سببًا في تقويّة الانتماءِ الذاتيّ (الهوياتيّ).
يعرض المؤلف للوثيقة الصادرة عن الألكسو سنة 2010بهدف بلورت مشروع النهوض باللّغة العربيّة التي أعدَّها محمد مرياتي بعنوان: “تعليم العلوم والتكنولوجيا باللّغة العربيّة وأثره في التنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في التوجّه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة”، مدققًا في فلسفة العمل العربيّ المشترك في هذه القضيّة عبر مقدمة المدير العام للألكسو محمد العزيز ابن عاشور. ومضمونها أنّ للّغة أهميّة بالغة في عمليّة التنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، مشيرًا أنّ للّغة أدوارًا في عمليّة التنميّة ونقل المعرفة بين أفراد المجتمع، رابطًا تعلُّم العلوم والتكنولوجيا وكذا تحويل المعرفة إلى خبراتٍ وأفعال ومنتجات وخدمات إلى اللّغة العربيّة، مضيفًا أنّ تعليم العلوم والتكنولوجيا باللّغة العربيّة له دورٌ فاعلٌ في النموِّ الحقيقيّ للاقتصاد العربيّ وأي استثمار تضعُه الدول العربيّة للتوجّه نحو مجتمع المعرفة لن يكون مجديًا إذا لم يكن مقرونًا بوجود معرفة ومعلومات علميّة وتكنولوجيّة باللّغة العربيّة؛ فوجود مجتمع المعرفة في الدول العربيّة رهينٌ بوجودِ معرفةٍ باللّغة العربيّة. ويختم بالتأكيد على ضرورة إعداد سياسة قوميّة وسياسات وطنيّة للّغة في عمليّة التوجّه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة.
ينتقد المسدي مَطلع وثيقة النهوضِ باللّغة العربيّة بكونها جعلت – في زعمه – الحفاظ على الهويّة العربيّة متمثِّلةً في لُغتنا الأم، اللّغة العربيّة، فاتحًا شرعيّة التساؤل عن مضمون عبارة متمثلّة بقوله: “هل الهويّة جوهرها اللّغة أم للهويّات تجليّات وليست اللّغة إلّا أحدها؟” موضحًا أنّ نصَّ الوثيقة يُؤكد على أنّ اللّغة العربيّة هي “وعاءٌ للمعرفة وسبيل الأمّة نحوَ التوجّه إلى مجتمعِ المعرفة”، وهو ما فيه من الاستنقاص والازدراء للّغة العربيّة حسب ما عبَّر عليه المسدي بأن تُصبح المعرفة وعاءً لها لا أن تكون هي وعاء للمعرفة واصفًا خطاب الوثيقة بالمُنافح الحميم الذي يستدعى التساؤل عن: من يُخاطِب من؟
يُعلِّق الباحث على عمل المنظمة العربيّة للتربيّة والثقافة والعلوم فيما تظنّه اجتهادًا لتحقيق مشروع النهوض باللّغة العربيّة للتوجّه نحو مجتمع المعرفة، ويوضح أنّ عملها ينحصر في منشورات تتخذ شكل الأبحاث المستقلّة المكتفيّة بذاتها أو في شكل تقارير كلّما حان موعد انعقاد الوزراء العربيّ في مجال التربيّة أو الثقافة؛ كما يحلل ثلاث نشرياتٍ أصدرتها المنظمة في عام 2010؛ تناولت الحلقة الأولى أسباب ومسببات تدنّي مستوى تعليم اللّغة العربيّة في الوطن العربيّ، أمّا الثانيّة فكانت في موضوع استخدام الثقافات الحديثة في تطوير اللّغة العربيّة. ويفصل الحديث في الحلقة الثالثة لأنّها تتناول على وجه التدقيق السياسة اللّغوية القوميّة للّغة العربيّة، مبرزًا أنّه يُشير إلى أنّ مصير اللّغة العربيّة لا تُجدي فيه نفعًا السياسات القُطريّة. ثم يأتي الكاتب على ذكر محاسن الوثيقة بكونها تَنِمُّ عن وعيٍّ لغويٍّ وحضاريٍّ عميقٍ، لما تتسِم به من نُضجٍ في الخطاب لم يألَفه العمل العربيّ المشترك، كما أنّها تُعدّ مرجعًا فكريًّا عاليَ الجودة، رفيعَ الإحكام، جليّ الاستثناء في نظره. موضحًا أنّ من أعدَّ الوثيقة قد تحرّى فيها إثبات الهويّة العربيّة والمحافظة عليها، وتلازُم اللّغة والهويّة والمعرفة بما يحتِّم تطوير لغتنا العربيّة والاعتزاز بها. ولم يقف المؤلف عند ذكر محاسن الوثيقة بل أثار ما يستدعي الحيرة في أمر الإرادة العربيّة واعتبر الوثيقة مفتوحَةً على عديد الاحتمالات؛ بما فيها من عناصر التباين والتضادّ. ثم عرّج بعد ذلك إلى تخصيص المناقشة حول ما جاء في التقرير من مُعطيات حول تنفيذ السياسة اللّغويّة القوميّة فيما يلي: الوسائل والآجال والموارد، مبرزًا درجة الطموح التي ارتقى إليها هذا التقرير عبر أمرين هما؛ التمييز بين السياسة الّلغويّة باعتبارها تشريعات وقوانينَ لضبط مكانة اللّغة وبين التخطيط اللّغويّ باعتباره عمليّة معالجة فنيّة للقضايا اللّغويّة. وبناءً على هذا التمييز فإنّ اللّغة العربيّة في نظر الباحث تحتاجُ إلى سياسة لغويّة تدعم مكانة اللّغة العربيّة وإلى تخطيط لغويّ لتطويرها. مذكرًا بالعناصر الأساسيّة الآتية:
 تلازُم البُعد التشريعيِّ والبعد الإجرائيِّ التنفيذيِّ.
 الترابط بين البعد القُطريِّ والقوميِّ في جميع مراحل تنفيذ المشروع بوضع التصوّرات ورصد الاعتمادات المالية.
 التكامل بين المستوى القطاعيِّ والعامِّ من جهة والتلازُم الموضوعيِّ بين القضايا اللّغويّة ذات الصلة باللّغة العربيّة ومختلف المجالات التي تتدخّل فيها الإجراءات المقترحة للنهوض بها وترقيّة استعمالها.
يعرض الكاتب بعد ذلك للبعدين؛ السياسة اللغويّة والتخطيط اللغويِّ في جانبهما التشريعيِّ – كما جاء في التقرير- مؤكِدًا على ضرورة إنشاء لجنة تشريعيّة لغويّة قوميّة عُليا تعمل على سنِّ التشريعات اللّغوية والنصوص الترتيبية في مجال النهوض باللّغة العربيّة، وتسهر هذه اللّجنة ذات الاختصاص التشريعيِّ، فضلًا عن تعميم سنِّ القوانين ووضع المعايير، على اقتراح آليّات التنفيذ والمتابعة والتقييم والمُراجعة، ومن بين الخطوات المؤسسيّة يذكر؛ إنشاءَ مراصد للّغة العربيّة ووكالة للتنسيق بينها لتتبُّع استعمال العربيّة في مختلف مناحي الحياة. وبعث خلايا اليقظة اللّغوية لاستعمال العربيّة في الإدارة وأجهزة الدولة والمؤسسات المالية والاقتصادية وبالخصوص في وسائل الإعلام المختلفة لتأثيرها الحاسم في استعمال العربيّة. بعث قسم علميٍّ في كليّة اللّغات وكليّة تدريس الإعلام لتكوين نخب تُعنى باللسانيات النظريّة والتطبيقية الحديثة، ومن مهام هذه الأقسام تكوين خبراء في التخطيط اللّغوي والمعالجة الآليّة للغات واللسانيات الاجتماعية والهندسة اللّغوية والترجمة. ثم إحداث مراكز بحوث في كل بلدٍ عربيّ يستقطب النخب العلمية في اللسانيات والإعلام لصياغة مشاريع بحث موجهة.
ناقش الباحث في نهاية الفصل ما تسميه الوثيقة الجدولة الزمنية إذ إنَّ من شروط البرمجة الناجحة وضع سقف زمنيّ يناسب مختلف مراحل الإنجاز، حيث نصّ جدولُ برامجِ بنودِ المشروع وإجراءات تنفيذها والجهات المشاركة ومصادر التمويل في بُندِ سياسات قوميّة وسياسات وطنيّة على:
1. رسم سياسات قوميّة.
2. وضع خطة خمسية قوميّة أولى.
3. إعداد سياسات وخطط خمسية وطنيّة.
مع اعتبار البرمجة الزمنيّة وفق ترتيب للأولويات التي رتبها الباحث بحسب معطيات الوضع اللّغوي العربيّ وهي في نظره تُرتب كما يلي:
– تكليف الفريق التشريعيِّ بتقديم المقترحات المتصلة بسن التشريعات والقوانين في أجل لا يتجاوز نهاية سنة 2011.
– تكوين مجموعة من الخبراء في مختلف المجالات المتعلقة بالسياسة اللّغويّة العربيّة تنظيرًا وممارسةً في أجل لا يتجاوز الثلاثيّة الرابعة من سنة 2010.
– إحداث مراكز للبحث في السياسة اللّغويّة العربيّة وتكوين المختصين في المجالِ قطريًا في أجل لا يتجاوز سنة 2011.
– تكليف المجموعات العاملة في ميدان المسح اللّغويِّ وتجميع المعطيات المتصلة بالواقع اللّغويِّ العربيِّ وإنجاز الاستبانات القطريّة والقوميّة ذات العلاقة في أجل لا يتجاوز منتصف سنة 2012.
يختم الباحث بالإقرار بأنَّ الوثائق الواردة الذكر تُحرِّكها مُهجتان مكسوَّتان بالحذر والاحتراز، وأننا نقرأ في كل منعطفات الوثيقة ما يدل دلالة قاطعة على المأزق التاريخي العنيد الذي وصلت إليه اللّغة العربيّة على حدِّ تعبيره، مثيرًا لسؤال جوهريٍّ إلى من هو موكول مشروع النهوض باللغة العربية؟
يبدو أن الكاتب في هذا الفصل – الذي درسناه – يَعرض لمجموعةٍ من الوثائق الدوليّة بالنقد والتحليل؛ حيث نشيد بالبناء المُحكم الذي صاغه في نقاش هذه الوثائق من جهة، بينما نأخذ عليه في ثنايا معالجته لهذه القضايا نوعًا من الغموض في الخطاب واستعمال العديد من الصيغ الفلسفيّة والعبارات الأدبية التي تُذيب المعنى وتفتح الباب أمام كثرة التأويلات، كما أنّه كانَ يمزج بين العرض والتحليل مما يُضيع القارئ بين صوت الوثيقة وصوت الباحث المحلّل من جهة أخرى. كما نأخذ عليه عدم ربطه بينما جاءت به الوثائق من معطيات نظرية تبتغي تحقيقها، وما هو مُطبَّق على أرض الواقع من حيث التنزيل؛ فغالبا ما كان تصويره للواقع اللّغوي في صورة قاتمة؛ بينما كان عليه الإشارة إلى الجهود والخطوات الجادَّة المبذولة في هذا الاتجاه.

شاهد أيضاً

قضية المصطلح العلمي في اللغة العربية.

محمد أديب السلاوي -1- لقد طرحت مشكلة المصطلح العلمي في اللغة العربية غير ما مرة، ...