الرئيسية / مقالات / ما معنى “سياسة لغوية”؟

ما معنى “سياسة لغوية”؟

بشير العبيدي

كنت في طائرة أوكرانية متجهة من باريس إلى كييف، عاصمة أوكرانيا. فتحتُ حاسوبي لكي أقرأ منه الكتب المرقمنة، وما أغلقته حتى نفد الشحن من حاشد الحاسوب.
ولأنّني شديد النّهم إلى القراءة، أخذت مجلّة الطائرة الأوكرانية من أمامي، وطفقت أفلي مقالاتها المنشورة بالانجليزية، كوني لا أجيد الروسية. وفِي داخل المجلة، عثرتُ على بطاقة مكتوبة باللغة العبرية، من الأكيد أن صاحبها قدم من دولة الكيان الصهيوني.
تأملتُ البطاقة جيّدا على الوجهين، فإذا بها مكتوبة باللغة العبرية. ولا يوجد مع العبرية حرفٌ واحدٌ أبداً، باستثناء الأرقام العربيّة التي انتشرت في العالم ولا قبل لهم بتغيير شكلها.
أحسستُ بإحساسٍ غريب. لأنني طيلة حياتي أسافر في البلاد العربيّة، ومن النّادر جدّا أن أجد بطاقة ممغنطة، أو تذكرة سفر، أو وصل شراء، إلا وهو مكتوب بلغة أجنبية، أو مع كلمتين بالعربيّة، لرفع الملامة إن وُجدت !
وكثيراً ما نقرأ في الدراسات والبحوث والكتب التي تعنى بالأزمة اللغوية عند العرب عن ضرورة “بناء رؤية لغويّة وسياسة لغويّة”. ومن لم يفهم بعدُ ماذا تعني الرّؤية اللغويّة والسياسة اللغوية، فله أن يتأمّل هذه الصورة للتذكرة الاسرائيلية ويحلّل بنفسه وسيصل إلى النتيجة التالية: أن يرى المواطن في بيئته لغته، ولغته فقط. ومن لا لغة له، لا انتماء له. ومن لا انتماء له، لا سيادة له، ومن لا سيادة له، لا فكر له. ومن لا فكر له، لا مستقبل له.
وكلّنا يعرف، أن الصّهاينة امتلكوا عناصر القوّة والمناعة، وهم إن قرّروا ألاّ يكون على تذاكرهم وقصاصاتهم وجدرانهم وفِي مختبراتهم وجامعاتهم وحواسيبهم وهواتفهم وقمصانهم وقنواتهم وجرائدهم إلاّ اللسان العبري، فليس ذلك أبداً من قبيل الصّدفة.
لأنّ اللغة ليست أداة تواصل، اللغة هي الفكر ذاته، اللغة تشكّل العقل البشري كما يشكّل الخزّاف أوانيه !
فتأمّلوا ماذا تعني السياسة اللغوية !

شاهد أيضاً

قضية المصطلح العلمي في اللغة العربية.

محمد أديب السلاوي -1- لقد طرحت مشكلة المصطلح العلمي في اللغة العربية غير ما مرة، ...