الرئيسية / مقالات / قِراءة في كِتاب «لنْ تتكلّم لُغتي» للباحِث والأدِيب المغربيّ عبد الفتاح كيليطو

قِراءة في كِتاب «لنْ تتكلّم لُغتي» للباحِث والأدِيب المغربيّ عبد الفتاح كيليطو

أشرف اقريطب
بداية ما يثيرنا في كتاب عبد الفتاح كيليطو “لن تتكلم لغتي” هو العُنوان، والذي يحيل على وجهين مختلفين: الوجه الأول أنّ كيليطو يرفض وينبذ تحدث الآخر بلغته، والوجه الثاني أن كيليطو يعتبر لغته ملك له وبالتّالي فالخوض فيها من قبل الآخر هو شيء من سلب الهويّة، فأن تتكلم لغتي معناه أنك تملك هويتي وبالتالي جردتني من جوهر وجودي.
الكتاب يتكون من 114 صفحة، جعلها الباحث المغربي في رونق خاص وتناولها بأسلوب شيق وذكي. أما عن محتويات الكتاب فقد جعله ” كيليطو ” يتكون من 7 محاور كبرى إضافة إلى التقديم والخاتمة، وجعل عنوان الكتاب كاسم للمحور الأخير.
كفكرة عامة للنص، حاول كيليطو القيام بمقارنات بين الفنون العربيّة من شعر وأدب وفلسفة، وبين نظيرتها الغربيّة، وخاصة الإغريقيّة التي شهدت منبع الفلسفة، مستحضرا بذلك لغويين وأدباء قدماء استشهد بهم ونقل عنهم كالجاحظ، ابن رشد، الطهطاوي… وخلص إلى أن الشعر العربيّ لا يمكن ترجمته وإلا وفَقد وزنه ورونقه، وكذا مع الفلسفة الإغريقية التي لو ترجمت لضاع كنهها وجوهرها. كأن بكيليطو يعتبر التّرجمة – ظهرت في منتصف القرن 19 – مُشوهة للنصوص الأصلية فهو يرفضها لكن ليس قطعا، فلولا التّرجمة لما تقدمت العلوم والحضارات.
كما يُعرج للحديث عن كتاب “فن الشعر” لأرسطو وتحدثّ عن ترجمة متّى بن يونس لكلمتي (طراغوديا وقوموديا) حيث جعل الأولى كمرادف للمديح، والثانية كمرادف للهجاء، التي وصفها بسوء الفهم أو التفسير الخاطئ الذي وقع فيه “ابن رشد” باعتباره الشارح والملخّص لكتاب يجهل عنه كل شيء بسبب عدم اطلاعه على المسرح على حد تعبير ” كيليطو “. ليندب الباحث حظه كون التّرجمة الصحيحة للكلمتين كانت ستغير وجه التاريخ برمته.
لنعود للفكرة الرئيسة التي يتمحور حولها النص والتي سأحاول مناقشتها من باب تخصصي (اللّسانيات)، فجملة لا تتكلم لغتي ولن تتكلمها، تحمل في طياتها صفة وأداة النهي. كأن كيليطو يحذر الآخر من الخوض في لغته باعتبارها لغة مقدسة، أو ربما خوف كيليطو من استلاب الآخر للغته بالحديث بها.
نجد كيليطو في ثنايا الكتاب يتساءل مع الآخر، لماذا لا تتكلّم بلساني؟ أي لماذا تشوه لغتي ولكنتي؟
لنحاول معالجة الأمر من منظور لساني، فعلم اللّسانيات يرى أنّ المتكلم الفطري للّغة لن يتمكن من الحديث إلا بلغة واحدة هي طبعا لغته الأم التي تعلّمها بالفطرة وبالاحتكاك مع المعطيات اللّغويّة. وحتى لو أجاد متكلم ما لغة ثانية فهو لن يجيدها بالدقة اللازمة. حيث بمجرد أن تتحدث أنت كعربي مثلا بالإنجليزية مع أمريكي سيعرف بسليقته أنك لست من بيئة أمريكية، بل فقط تعلمت اللّغة بالاكتساب وليس بالفطرة والعكس صحيح.
صراحة كموقف متواضع جدا، أجدني متفقا مع كيليطو ومختلفا معه في نفس الوقت؛ أما عن الاتفاق فصحيح أن الآخر يشوه لغتي بلكنته العاجزة وبعجميته الواضحة، لكن الخطير أن الأجنبي إذا تكلم بلغتي فكأنما سلب هويتي، فكما نعلم فاللّغة هي الهويّة، فإذا ضاعت هويتي ضاع جوهر وجودي.
أما عن اختلافي مع كيليطو، فرغم أن الآخر يشوه لغتي، لكننا نبتهج ونفتخر بهويتنا ووطنيتنا عند سماعنا أجنبيا يتكلم بلغتنا… فهو في الأول والآخير بذل جهدا للتواصل معنا.
وبالتّالي لا يجب أن ننظر للمسألة من وجهة نظر ضيقة، بل بالعكس فنحن في الأول والآخير ضيوف على اللّغة، ويمكن لمن شاء تكلم عدد ما يريد من اللّغات شريطة ألا يسيء إلى لغتي متعمدا. فأنت ـ مثلا ـ عندما تمنع عن الآخر تكلم لغتك فأنت بهذا التصرف تجعل نفسك حبيس رقعة لغويّة ضيقة، ولن تستطيع الانفتاح على باقي اللّغات، لأن التمكن من اللّغات يجعلك تفهم كثير من الحضارات.

شاهد أيضاً

تداعيات اللغة المشفرة وأثرها على المجتمع

المهدي فاضل مع تقدم العصور وحدوث ثورة معلوماتية وتطور علوم التكنولوجيا، تحول العالم كله إلى ...