الرئيسية / كتب / قراءة في السلسلة الديداكتيكية للغة العربية لرشيدة الزاوي

قراءة في السلسلة الديداكتيكية للغة العربية لرشيدة الزاوي

شفيق الزكاري

صدرت للدكتورة رشيدة الزاوي سلسلة تربوية/ ديداكتيكية في مادة اللغة العربية، حول تخطيط وتدبير وتقويم مكونات هذه المادة، إذ تسعى السلسلة عامة إلى تناول عدة قضايا بيداغوجية وتدريسية تهم المدرسين الممارسين والمكونين والطلبة الأساتذة عامة، وتتمحور حول التكوين المستمر الذاتي والمهني لهذه الفئات من خلال تقديمها لآخر المستجدات المتعلقة بمنهاج المادة وبتدريسية مكوناتها، واعتبارها جسرا وأصلا بين الجانب التنظيري والجانب التكويني والتعليمي العمليين في ظل ما أصبح يطلق عليه الآن بمهننة حقل التدريس.
هذه السلسلة تناولت في جزئها الأول “منهاج اللغة العربية : من خطاب الغايات إلى الأجرأة الديداكتيكية”، حيث شخصت الباحثة واقع درس العربية وكشفت عن المعوقات التي تحد من وظيفية المناهج والمقررات والكتب وطرائق التدريس والتقويم المعتمدة في تعليم اللغة العربية، وذلك من خلال المحاور التالية :
المحور الأول : تطرقت فيه الباحثة إلى الهيكلة العامة لنظامنا التعليمي، والتي ضمت بين ثناياها التصور التربوي العام للفلسفة التعليمية والتي يجب أن ترتبط من جهة بحاجات التنمية وقيم المجتمع وبمتطلبات سوق الشغل، ومن جهة أخرى بعملية المراجعة والتقويم حتى تكون ملائمة لتعلمات التلاميذ وللغايات التعليمية العامة، كما أشارت الباحثة في نفس السياق إلى أهم المواصفات الخاصة بالمتعلم المراد تكوينه، وهي مواصفات انتقت مرجعيتها من حقول معرفية ودينية وقومية ولغوية وتاريخية وحضارية متعددة، من شأنها أن توجه سلوكه وقيمه الروحية والمادية حاضرا ومستقبلا.
كما لم يفت الباحثة الحديث عن المفهوم العام للمنهاج سواء من خلال الدراسات التربوية التي قدمها مجموعة من الباحثين المهتمين، أو من خلال الوثائق التربوية التي اعتبرتها تخطيطا منظما تمتد خيوطه لتشمل المرامي والخبرات التعليمية والمضامين وطرق تبليغها وتقويمها وسبل التثبت من تحقق الكفايات المرجوة، دون أن تغفل الأسس العامة في بناء منهاج اللغة العربية، والتي توصلت الباحثة إلى أنها متنوعة ومتعددة المصادر، فمنها ما يجد مرجعيته في الجانب الاجتماعي والثقافي، ومنها ما يعود إلى الجانب المعرفي، ومنها أيضا ما يرتبط بالمستوى السلوكي الحركي. والتي ترتكز جميعها على مفهوم “الكفايات” سواء في تعريفها اللغوي أو الاصطلاحي، والتي قسمتها الباحثة بدورها إلى : تواصلية ومنهجية واستراتيجية وثقافية ثم قيم ومواقف وجدانية، تشتغل متكاملة ومندمجة مع بعضها حسب سياقات ووضعيات التعلم ومقاماته.
المحور الثاني : عالجت فيه الباحثة أهم مكونات منهاج اللغة العربية وهي : مكون النصوص، مكون اللغة، مكون التعبير والإنشاء، ثم نصوص المطالعة والدعم والتطبيق، ضمن إطار معلب هو الكتاب المدرسي، الذي اعتبرته وسيلة مركزية لإنجاز مختلف الأنشطة التعلمية والتعليمية، رغم ظهور المعينات الديداكتيكية الحديثة والتي لازال العمل بها جد محدود. وفي هذا الإطار درجت الباحثة على وصف الكتاب المدرسي شكلا ومضمونا وأشارت إلى خصوصيات “القراءة المنهجية” المعتمدة في تبليغ المحتويات وأيضا الثغرات التي حدّت من فاعليتها ووظيفيتها.
أما المحور الأخير فقدمت فيه الباحثة قراءتين نقديتين : الأولى خاصة بالفلسفة التعليمية والتربوية كما تسمى في منهاج اللغة العربية، والثانية خاصة بالبنيات المنظمة لمحتويات الكتاب المدرسي ولطرائق تدريسها وتقويمها، فعرضت لمجموعة من الملاحظات التي تمحورت حول إغفال الجانب السلوكي والحركي للمتعلمين وعدم ملاءمة التعلمات لخصوصيات التلاميذ العمرية والذهنية والجنسية وعدم استجابتها لميولهم واهتماماتهم الآنية وأيضا غياب أي توازن تدبيري بين الكم الهائل للدروس المبرمجة وبين الغلاف الزمني المخصص لإنجازها وتقويمها.
أما الجزء الثاني لهذه السلسلة، فقد خصصته الباحثة لأول مكون من مكونات تدريس اللغة العربية، وهو”مكون النصوص : “الكفايات وتقنيات التدريس”، حيث نقلت مصطلح الكفايات من مفهومه العام – كما أشارت إليه في الجزء الأول – إلى المفهوم الديداكتيكي الخاص بدرس العربية، الذي شمل مجموعة من الوظائف المتداخلة والمتكاملة والغنية بمرجعياتها التواصلية واللسانية والثقافية… حسب الأدوار الجديدة التي أصبح يضطلع بها كل من المدرس والمتعلم، والرامية جميعها إلى خلق وضعيات تعلمية إيجابية، رغم بعض المعيقات التي حدت من جدواها الوظيفية كإغفال الجانب الوجداني الإيقاعي في قراءة النصوص، وهيمنة الطابع الاستظهاري والإلقائي في تدريسها، والنمطي في تبليغ محتوياتها.
وعملت الباحثة في هذا الجزء على تقديم دراسة نظرية وأخرى تحليلية تطبيقية أو تدبيرية لمجموعة من النماذج النصية التي شملت : السرد والحجاج والوصف والحوار والشعر، فلم تنس التمهيد لكل هذه النماذج بأرضية أو فرش تعرف فيه بالنموذج وخصائصه الفنية والموضوعية والأسلوبية، محترمة بذلك الخصوصيات المميزة لكل نوع شكلا ومضمونا. وعندما انتقلت الباحثة إلى المستوى العملي والتطبيقي، فإنها أكدت على أن كل نموذج يستدعي تقنياته التدريسية ونماذجه النصية التي يجب أن تتميز بالبساطة وسهولة الفهم والاستيعاب والاستضمار، فلا يمكن التعامل مع نص شعري بنفس المعطيات التي نحلل بها نصا سرديا أو حجاجيا، وهكذا يتم تعميم نفس التصور على بقية النماذج.
وبهذه الطريقة استطاعت الباحثة الخروج بمضامين الكتب المدرسية وبمنهجية تدريسها من القراءة المنهجية ذات الطابع النمطي والموحد والآلي إلى المقاربة النوعية والتنويعية التي ساهمت في إغناء طرق معالجة مكون النصوص واحترام خصوصياتها النظمية أو التأليفية ومقاصد مبدعيها، وبهذا سيتمكن المدرس من خلق الدافعية والحافز لدى المتعلم على استقبال المعرفة المتعلمة والإقبال عليها دون إحساس بالملل أو النفور.
وأخيرا، وفي ظل الندرة التي تعرفها مكتباتنا فيما يتعلق بالإنتاج الديداكتيكي الخاص بالمواد، لاسيما مادة اللغة العربية، فإن هذه السلسلة يمكن اعتبارها خير معين وموجه لكل من يمارس الفعل التدريسي من أجل كفاءته ومهاراته التعليمية أو لمن سيؤهل لمهنة التدريس حتى يقبل عليه بكل طمأنينة ويسر.

شاهد أيضاً

” اللغة العربية، الصراعات المتداخلة” لمحمد أديب السلاوي

عن مؤسسة محمد أديب السلاوي، وبدعم من وزارة الثقافة صدر كتاب للأستاذ محمد أديب السلاوي ...

اترك تعليقاً