الرئيسية / مقالات / في تبجيل البغرير الغارق في العسل…

في تبجيل البغرير الغارق في العسل…

عز الدين بونيت

بحسن نية بالغ، يرى بعض أصدقائنا أن تشريف البغرير بإدخاله إلى الكتاب المدرسي أمر لا يستدعي أي قلق، ومنهم من رأى فيه، بالعكس، تبجيلا للغة تامغرابييت واعتزازا بالذات المغربية. وبدهي أن يستتبع هذا الاعتزاز والتبجيل بعض الامتعاض من ردود الفعل “المتشنجة” لهؤلاء العروبيين الهوياتيين الرجعيين المحافظين الذين ينتمون إلى قبيلة قريش، ويخيفهم الانفتاح على اللغة الحية الحقيقية للمغاربة.

النقاش صحي، والجدل في الموضوع علامة يقظة للوعي المجتمعي لا ينبغي التأفف منها. علينا فقط، كي نتمكن من منافع هذا النقاش، أن نكف عن تحويله رأسا إلى سجال إيديولوجي عقيم.

ليس كل من يناهض العبث بالتعليم وأدواته، رجعيا ومحافظا، وخائفا من رياح التجديد. وليس كل من ادعى الانفتاح والجرأة على اللغة ومعاييرها جديرا بالاتباع والمبايعة على السراء والضراء. السجلات مختلفة؛ والعبث باللغة في نص يكتبه شخص تحت راية الابداع، ليس هو العبث باللغة في الكتاب المدرسي. هناك، يمكنك أن تغامر وتكسر ضلوع اللغة كما تشاء، فكلامك ومكتوبك لا يلزم أحدا سواك. أما هنا فأنت تخدش الصفحة البيضاء التي تنكتب أمامك، وهي عقول هؤلاء المتعلمين الجدد الذين يلزمهم أن يتمكنوا من المعيار اللغوي، قبل أن نقترح عليهم اكتشاف لذة خرقه والتلاعب به، فأمامهم متسع من العمر كي يتذوقوا هذه المتعة بأنفسهم.

يتساءل متتبع يقظ ببراءة: كيف إذن ستتطور اللغة إذا كنا نسجنها ونحاصرها بالقواعد ونرفض لها أن تنفتح معجميا على لغة المجتمع الحية؟ لنبدأ بجلاء ما ينطوي عليه هذا التساؤل من المصادرات: 1) يفترض هذا التساؤل أن اللغة العربية المعيارية (لاحظوا أنني لا أستعمل كلمة الفصحى، لأن مفهوم الفصاحة يشير إلى وضعية لغوية متوهمة ولا وجود لها) منعزلة محنطة وغير حية. وهناك من أصدقائنا الكاتبين باللغة الفرنسية من ينعتونها بعبارة “العربية الكلاسيكية” وهو نعت بعيد عن الصواب وعن الوضعية الحقيقية لهذا النظام اللغوي. لا يمكن للغة محنطة ومنعزلة ان تكون قادرة على الاستمرار كلغة. هذا أمر يفهمه كل اللسانيين ما داموا يفهمون ان اللغة لا تعمل بذاتها بل من خلال مستعمليها، فهي ليس لها وجود مستقل. وغني عن البيان بعدئذ أن الحديث عن لغة منعزلة يستتبع القول أن مستعمليها هم المنعزلون المحنطون. وهذا قول يجانب كل صواب، ولا يستقيم إلا في ذهن عنصري متعصب.

2) يفترض هذا التساؤل من جهة أخرى ان العربية المعيارية والدارجة متعارضتان متجاورتان، إحداهما أصل للأخرى. وهذا قول يجانب الصواب أيضا. واللسانيون يعرفون ذلك بكل دقة. العربية المعيارية لغة ينطلق تحققها من الكتابة، ولا تتحول إلى الشفاهة إلا بشكل عرضي أثناء القراءة. والفاعلية الأساسية المطلوبة للتعامل بها هي إتقان الكتابة والإملاء، وما النحو والصرف والمعجم إلا علوم آلة (أي مهارات إضافية) تقع في خدمة هيكلة نظام الكتابة. اللغة المعيارية، يمكن أن يتعلمها الأصم الأبكم أيضا لأنها لغة بصرية أولا، واعتمادها على حاسة السمع هو اعتماد عرضي عابر. أما الدارجة فهي لغة شفهية سماعية يمكن أن تتحول بشكل عرضي إلى الكتابة. وهذا يصدق على كل الدارجات في العالم وليس على دارجتنا وحدها. هما إذن نظامان لغويان متميزان عن بعضهما من حيث الطبيعة والوظيفة. أما المعطيات اللغوية فقد تكون واحدة أو قريبة من بعضها في النظامين.

بعد هذين التوضيحين، بإمكاننا أن نجيب عن الاعتراض الذي يتضمنه التساؤل: تتطور اللغة المعيارية بطرق كثيرة وتلقائيا. ويشكل الأدب أحد روافد هذا التطور، كما تشكله العلوم والمعارف والتطور التكنولوجي.. أما المدرسة فليست فضاءا لتطوير اللغة بل لتعليم نظامها القار، لا سيما في مراحل التعلم الأولى. وكما أن هناك قوانين صارمة وضعت لحماية صحة الناس، تمنع عرض اي دواء في الصيدليات إلا بعد ثبوت خضوعه لكل الدراسات والتجارب المخبرية بعيدا عن البشر، كذلك لا تسمح المجتمعات الناضجة لحفنة من المغامرين بتجريب ما عنَّ لهم في عقول الناشئة. هذا دور معاهد الدراسات المتخصصة. ولدينا في المغرب مؤسستان تم إبعادهما عن قصد عن هذا الموضوع الخطير هما: معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، وأكاديمية محمد السادس للغة العربية؛ وعهد به، بدلا منهما إلى بعض تجار الكتب والبيروقراطيين والديماغوجيين من كل الآفاق.

وعَوْدا على بدء: برغم أن كلمة البغرير ليست سوى كلمة جعلناها عنوانا لهذا النقاش، ولا نقصدها هي بالذات، كما لا نحمل لها أي عداء ولا نستهجنها، دعونا نوضح أبعاد اعتراضنا على القرارات الهوجاء من خلال هذه الكلمة نفسها: يبدو أننا نسينا في غمرة الطراوة المشبعة بالزبدة والعسل التي تستدعيها الكلمة في أذهاننا، أن مناطق كثيرة من المغرب لا تستعملها للإشارة إلى تلك الفطائر اللذيذة، بل تستعمل مرادفات أخرى. في هذه الحالة أتوقع أن التلميذ الذي يوجد في منطقة تستعمل كلمة الخرينكو مثلا سيصعب عليه فهم المقصود، وسيحتاج إلى قاموس يشرحه له وإلا ضاعت منه الغاية البيداغوجية الموعودة. وقس على ذلك مرادفات أخرى وكلمات أخرى. بعد أربع سنوات من التجريب اللغوي سيكون بإمكاننا أن نتأكد من أن خريج مدارس الشاوية لن يكون بمقدوره أن يفهم ما يكتبه خريج جبالة أو أقاصي سوس أو الصحراء.

من أجل الوقوف في وجه تفكيك النظام اللغوي المعياري ينبغي أن نتوقف فورا عن هذه التجريبية الفجة وأن نعهد بالموضوع إلى مراكز الاختصاص وأن ينكب عليه الباحثون المؤهلون لدراسة تبعاته ومكاسبه. وأن نقر سلطة لغوية يعهد إليها باتخاذ القرار في كل خطوة تهم لغة الكتابة ولغة الدولة.

لغة الدولة؟؟؟؟

هاكُم النتيجة القصوى التي تختفي وراء واجهة العناية بتامغربييت، كما أفهمها: نعم؛ لغة الكتابة هي لغة الدولة (وليس لغة السلطة كما كتب أحد أصدقائنا الأدباء). وتفكيك العربية المعيارية بموازاة تعزيز موقع الفرنسية في كل جنبات الاقتصاد والسياسة (واليوم، التعليم) هو تفكيك لدولة المغاربة وإقامة لدولة أخرى بلغة أخرى مكانها؛ أو بتعبير آخر: هو سرقة الدولة من متكلمي لغتها. وتحالف الريع اللغوي اليوم يسير في هذا الاتجاه.

وعفا الله عما سلف.

شاهد أيضاً

الهوية اللغوية .. القوة المعاصرة

مصــطفى غَــلْمَـان لا شيء يغني عن الاستنجاد بالهوية اللغوية والاقتراب من دفقها ورسوها في الثقافة ...