الرئيسية / كلمة / غزو ثقافي ولغوي

غزو ثقافي ولغوي

الطاهر الطويل
كثرت الندوات والحلقات الفكرية التي تحاول تلمس موقع الثقافة العربية، الكائن والممكن، في ما يسمى بــ”النظام العالمي الجديد” و”العولمة”. وبموازاة مع ذلك، ما فتئت العديد من الكتب والأبحاث تصدر، راصدة التحديات التي تواجه الثقافة العربية، ومقترحة الحلول الناجعة لمواجهتها.
البعض يؤكد أن ثقافتنا إذا توافرت لها عوامل القوة، فإنها تكسبها المناعة المطلوبة، وبالتالي لا خوف عليها من عملية المثاقفة، باعتبار أن هذه الأخيرة حتمية لا مفر منها، يفرضها التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب، والتطور الذي تعرفه باستمرار وسائل الاتصال، علاوة على الثورة التكنولوجية التي تطال المعمور.
والبعض الآخر، يدق ناقوس الخطر إزاء واقع الاستلاب الذي لم تتلخص منه بعد ثقافتنا (في اعتقاده)، ويذكر من مظاهره: “الفرنكوفونية” و”الأنجلوفونية”، ما يكرس نوعا من التبعية للآخر (الغرب)، بدءا من اللغة (خاصة الفرنسية والإنجليزية)، ومرورا باٍلآداب والفنون والبحوث المكتوبة بهاتين اللغتين، وصولا إلى تكريس نوع من التفكير والثقافة لدى مستعمليهما.
لقد آمن أنصار هذا الموقف بعدم “براءة” اللغة و”حيادها”، من منطلق أنها مرتبطة بشروط سوسيو ثقافية، تكيف خطابها، بقدر ما تحكم العلاقة القائمة بين المرسل والمرسل إليه.
من هنا، كان أحداث جوائز “فرنكوفونية” و”أنجلوفونية”، وفتح دور النشر أبوابها في وجه كل ما هو مكتوب بهاتين اللغتين، خصوصا الكتابات التي تقدم العالم العربي، من حيث ثقافته وتراثه ونمط الحياة به، في قالب “فلكوري” سياحي مبالغ فيه، تماما كما لو تعلق الأمر بنظرة جل المستشرقين والأنثروبولوجيين.
ويرى الداعون لمواجهة هذا “الغزو” الفرنكور ــ أنجلوفوني، أن الملاحظة المذكورة آنفا لو اقتصرت على الغرب، لتم التعامل معها ضمن سياق الصراع الحضاري المستمر والمعروف بيننا وبينه، ولكنها تعد لصيقة بمعظم من يكتبون بتلك اللغتين من أبناء هذه الأمة. وفي المقابل، تعرضت اللغة العربية (ومازالت تتعرض) إلى هجمات متتالية تستهدف التشكيك في قوتها التعبيرية والتواصلية، من ذلك مثلا الزعم بتعقيدها النحوي والتركيبي، وعدم استطاعتها استلهام روح البحث العليم والتطور التقني، علاوة على تعدد اللهجات في الأقطار العربية، هذا التعدد الذي يفقد اللغة العربية ــ باعتقاد المتهجمين عليها ــ قدرتها على التواصل، وبالتالي يجعلها ذات منحنى “ثقافوي” (بالمعنى القدحي للثقافة)، يبتعد عن متناول عامة الناس. من هنا، نفهم سر الدعوة التي نادى بها البعض إلى الكتابة باللهجات المحلية، والاستغناء عن اللغة العربية الفصحى في مختلف الكتابات بما فيها الإبداعية كالرواية والشعر والمسرح.
واضح أن مثل هذه الهجمة بشقيها “الفرنكو/ أنجلوفوني” واللهجات، تستهدف ضرب الهوية والخصوصية الملتصقتين بالإنسان العربي، وزعزعة ثقته في أحد أهم عناصر الوحدة لديه: عنصر اللغة. وحين نقول اللغة، نستحضر كل القيم الفكرية والتراثية والإبداعية والثقافية ــ عامة ــ التي تشكل كينونة الإنسان العربي في أي قطر كان.
إذن، فباللغة كوعاء وبالثقافة كمجموع الإنتاجات الصادرة عن الإنسان، يمكن الانطلاق بحثا عن حضور فعال لثقافتنا العربية في دائرة العالمية، وتجاوز كل المعيقات الداخلية والخارجية التي تحول دون تحقيق هذا المطلب.

اترك تعليقاً