الرئيسية / مقالات / رَجَّةٌ في الدِّماغ أَفقَدتِ الأمةَ لغتَها

رَجَّةٌ في الدِّماغ أَفقَدتِ الأمةَ لغتَها

د. عبد العلي الودغيري

أشاع الفَيْسبوكيّون هذه الأيام قضية تلك الطبيبة المغربية (حسناء الكتاني) التي عَجِبوا لأمرها واستغربوا حالتَها عندما وجدوها تكتُب الوَصْفات الطبّية بالعربية عوض الفرنسية كما اعتادوا وأَلِفوا. وهي في الحقيقة ليست حالةً فريدةً في بلادنا أو بلدان عربية أخرى، إذ سبق لي أن عرفتُ شخصياً حالاتٍ كثيرة من هذا النوع، كان من بينها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ حالة طبيب الأطفال بالرباط الدكتور محمد المختار السوسي ( شخص آخر غير المختار السوسي العالِم الوطني الشهير)، وقد كنتُ أعالج عنده أطفالي في الثمانينيات.
ومع ذلك، اعتَبَر الكثيرون، أن كتابة الوصفات الطبِّية بالعربية، ظاهرة غريبةً وحالةً نادرة تستحق الإعجاب والتنويه، وهي كذلك بالفعل إذا نظرنا إليها من زاوية الواقع المُحزن الذي تعيشه لغةُ الأمة في بلداننا العربية بعد أن وقع التفريطُ فيها وهي رَكيزةٍ من أقوى ركائز الهوية ….فصارت لغتُنا غريبةً في أوطانها لدرجة أننا أصبحنا ننظر لمن يكتب بها أو يحسن استعمالَها نظرةَ استغرابٍ ودَهشة، إذا كنا من محبّي العربية أو المُتعاطِفين معها، ونظرةً استِخفافٍ واستهزاءٍ إذا كنا من غير هذه الفئة (حالات كثيرة مؤسِفة حصَلت لي مع عدد من موظَّفي البنوك عند تقديم شيكٍ مكتوب بالعربية، وأنا دائماً أتعمَّد فعلَ ذلك بإصرارٍ تشبُّثاً بحقّي في استعمال لغتي داخل وطني لا لأمر آخر) .
لقد أُصِبنا بأخطر آفةٍ يمكن أن تصيب دماغَ إنسان: آفةِ فقدان اللغة. وإنها لمأساةٌ حقاً وتراجيديا مُرعِبة أن يَضيع من الإنسان لسانُه ويَفقِد لغتَه… وفي بحر هذه الأيام الأخيرة سمعنا بمثال حيٍّ يُجسِّد هذه المأساة وينقلها من المُتخَيَّل إلى الواقع االمَعيش. فقد تناقلت وسائلُ الإعلام خبرَ شخصٍ في أمريكا أُصيب برَجَّة عنيفة في دماغه أصبح على إثرها فجأةَ لا يعرف كلمةً واحدة من لغته الإنجليزية التي كان يستعملها بإتقانٍ طيلةَ حياته. وفَجأةً أيضاً وجد نفسَه يتكلم الإسبانيةَ بطلاقة.
لقد وقع لنا ـ في هذا الزمان ـ ما وقع لهذا الرجل تماماً، وأصابَنا ما أصابَه بالضبط :رَجَّة عنيفة في دماغ الأمة أَفقَدتها فجأةً لغتَها الجامعة، حتى صار الواحدُ منّا يستغرب لمجرد أن يرى غيرَه من أبناء جِلدته ما زال قادراً على استعمال لغته رغم إتقانه للغات أجنبية، ومُصِرّاً على التشبُّث بهذا الهَشيم المُتلاشي من« التُّراث القديم»، ما زال قابِضاً على جَمر العربية غيرَ مُبالٍ بما ينالُه جرّاءَ ذلك من حُروقٍ وآلام … كان الله في عونه.

شاهد أيضاً

قضية المصطلح العلمي في اللغة العربية.

محمد أديب السلاوي -1- لقد طرحت مشكلة المصطلح العلمي في اللغة العربية غير ما مرة، ...

اترك تعليقاً