الرئيسية / مقالات / تدريس اللغة العربية: بحث في الطرائق والمناهج.

تدريس اللغة العربية: بحث في الطرائق والمناهج.

محمد يوسفي

يُمكن القول إن طرائق تدريس اللغات عموما، واللغة العربية على وجه الخصوص، قد مرت بمجموعة من المراحل المختلفة، وهذه الطرائق، كرونولوجيا، تراوحت بين ما هو تقليدي – كلاسيكي، وما يميز هذا النوع من الطرائق هو كونها “قديمة ومتمحورة حول تبليغ المعارف وسلطة المدرس، وكونها أيضا تعتمد التبسيط والتحليل والتدرج حيث يبدأ التعليم من البسيط والجزئي إلى المركب والكلي من خلال تفريغ المادة وتجزيئها، كما تعتمد التسلسل المنطقي والتصنيف، إذ تنطلق من سيكولوجيا الملكات وقوامها تنمية الملكات العقلية. وبين ما هو حديث يتمحور “حول نشاط المتعلم وتعلمه الذاتي، ومن أهم مبادئها، أنها تسعى إلى تكييف التعليم حسب مختلف كفاءات وقدرات المتعلمين، كما أنها تنطلق من حوافز المتعلم واهتماماته، وتهدف إلى تعلم المتعلم عن طريق الملاحظة والتفكير والتجريب. ومن مميزات هذه الطريقة أن الإنتاج ليس حكرا على المدرس، بل على المتعلم”. ونشير هنا إلى أن الطريقة هي” مجموعة من النظريات التي تَدرس طبيعة اللغة، وتهتم بتعليمها وتعلمها ومبادئ تدريسها.” في حين يُقصد بطرائق التدريس ” مجموعة من الإجراءات التي تساعد المتعلم على تشغيل قدراته العقلية وتنميتها، وإتقان المهارات المكتسبة من خلال القيام بالأنشطة وممارستها أثناء التعلم.”
ورغم تعدد طرائق تدريس اللغات الأجنبية وتنوعها يقول نايف خرما وعلي حجاج: “إلا أنها تلتقي وتتفق جميعها في أساسيات مشتركة، ومثال ذلك أنها تتفق على التدرج من المعروف إلى المجهول، ومن السهل إلى الصعب، كما أنها تتفق في كونها لا تقوم على تدريس اللغة الأجنبية بأكملها، بل عن طريق اختيار ما يتناسب مع سن المتعلم ومستواه.”
وعموما، فطرائق تدريس اللغات الحية تنقسم إلى قسمين رئيسيين: طرائق تقليدية تضم في الغالب طريقة النحو والترجمة والطريقة المباشرة، ثم الطريقة السمعية الشفوية. وطرائق حديثة تتمثل في الطريقة التواصلية الإدماجية وطريقة الأنشطة والمهام التي تعد من أنجع الطرائق المستعملة حاليا في تدريس اللغات.

1 – 5 طريقة النحو والترجمة ( التقليدية).The Traditional Approach

تعد هذه الطريقة أقدم طرق تدريس اللغات الأجنبية في أرووبا خلال القرن التاسع عشر، وهي تقوم أساسا على تحليل القواعد اللغوية وترجمتها من اللغة الهدف إلى اللغة الأم. ورغم التطور والتنوع الذي شهدته طرائق تدريس اللغات نتيجة لأسباب، من بينها رغبة الفرد في تعلم وامتلاك أكثر من لغة واحدة بغية التواصل والانفتاح على ثقافة الآخر، أو لسبب المقارنة بين مختلف اللغات الحية، إلا أن هذه الطريقة لا تزال تواكب التطور الهائل الذي تشهده مختلف النظريات اللسانية، وهذه الطريقة ” تشبه إلى حد بعيد، في أغلب جوانبها، الطريقة التي كان يتعلمها شيوخ وفقهاء الكتاتيب القرآنية والجامعات الإسلامية ، كالقرويين والأزهر والزيتونة، خصوصا فيما يتعلق بالاهتمام بالكتابة والقواعد النحوية والحفظ عن ظهر قلب، وكذلك الاهتمام بالشروح والهوامش والتعقيبات التي كانت تنجز بطريقة إلقائية” . هذا بالإضافة إلى أن هذه الطريقة تقوم في أساسها على ” تعليم اللغة من خلال تعرف الطالب قواعد النحو والاشتقاق وحفظهما للقياس عليهما بالطريقة القياسية التي تقدم القاعدة والأمثلة المعززة ، حتى يمكن للطالب معرفة القاعدة وتطبيقها في جمل ونصوص لغوية جديدة، وبخاصة في القراءة والكتابة، وتقدم هذه القواعد والجمل بالمقابلات الترجمية من اللغة الأم إلى اللغة الأجنبية.” وهنا نفتح قوسين لنقول إن المدرس الذي يدرس وفق هذه الطريقة، لا بد له من أن يكون ملما إلى حد ما، بجميع القواعد و المهارات اللغوية وجميع قوانين الترجمة، وذلك بغية تيسير عملية التعلم وبلوغ الأهداف المنشودة، كما أن إهمال السياق الاجتماعي، في المقابل، ينعكس سلبا على مستوى المتعلم ويجعله يتعلم القواعد اللغوية بطريقة جافة تجعله عاجزا عن تطبيقها في مختلف السياقات الاجتماعية .
إن التركيز المكثف لهذه الطريقة على الترجمة وتحليل القواعد اللغوية، وتدريسها وإهمالها الخطاب، قد ولد نقاشات حادة بين مختلف الباحثين والمدرسين، الشيء الذي أدى إلى انقسامهم إلى مؤيدين ومعارضين خصوصا في ما يتعلق بمستوى الفهم ووسائل التدريس، فبالنسبة للفريق الأول ” فيرى أن الترجمة ضرورية في فصل تدريس اللغات الأجنبية لتحقيق هدف الفهم خاصة في المستويات الأولى، أما الفريق الثاني المعارض فقد ذهب إلى القول بأن الترجمة تجعل المتعلم لا يتقدم بخطى حثيثة في اكتساب اللغة الهدف ، وتورثه عادات وآفات لغوية غير مرغوبة، قد يصعب علاجها حتى في مراحل متقدمة من التعلم وذلك انطلاقا من الفرضية اللسانية القائلة بأن لكل لغة نظام خاص يختلف عن أنساق باقي اللغات الأخرى، ولذلك فإن اللجوء إلى الترجمة يجعلنا نقحم نظاما لغويا خاصا في نظام مخالف، الشيء الذي يحدث صعوبات لدى المتعلم، ويضاعف من الآفات والشوائب الناتجة عن التداخلات اللغوية.” أما فيما يخص قضية التركيز على القواعد اللغوية وأساليب تدريسها، فقد ولدت هي الأخرى فريقين، أولهما يدعو ” إلى تدريس هذه القواعد وخاصة النحو بطريقة مباشرة وتصريحية ، وثانيهما يدعو إلى تدريسه بطريقة ضمنية، هذا بالإضافة إلى فريق آخر ينادي بالنحو الوصفي والنحو المعياري.”
إن ما يميز هذه الطريقة، رغم كونها تقليدية، هو تركيزها المباشر على مهارتي القراءة والكتابة، الشيء الذي يكسب المتعلم قدرة على قراءة النصوص الأدبية في سن مبكر ، ثم اكتسابه، كذلك، القدرة على التعبير الكتابي، ثم تركيزها على “تدريس القواعد اللغوية وتطوير مهارات ترجمة قواعد اللغة بوصفها مهمة وضرورية لدراسة الأدب” . ومن المعروف في أدبيات التدريس أن لكل لغة طريقة من طرائق تدريس اللغات أسسا لغوية واجتماعية ونفسية وفلسفية مختلفة تستند عليها لمعرفة ما يجب على المتعلم أن يتعلمه. ومن الواضح كما يقول الباحثان ” نايف خرما وعلي حجاج” أنه ليس للطريقة التقليدية أي أسس سيكولوجية، أو لغوية أو اجتماعية واضحة تستند إليها، كما هو الحال في الطرائق الأخرى التي تلتها، ومن هنا فإن هذه الطريقة أقل وضوحا وتحديدا من الطرائق الأخرى.”
إن تركيز هذه الطريقة، في نظرنا، على القواعد اللغوية ( نحوية، صرفية، تركيبية..)، بإسهاب، واعتمادها من جهة أخرى على الترجمة ، لهو السبب الذي جعلها تعاني الكثير من النقد. ولعل أهم انتقاد وجه لها هو إهمالها الجانب الاجتماعي في اللغة والمقام التواصلي الذي يجعل من اللغة وسيلة للتواصل والتعبير.ومن جهة أخرى نجد أن هذه الطريقة” لا تركز بشكل كاف على تدريس اللغة الأجنبية على أنها وسيلة للتواصل الواقعي في الحياة، وأنها تقتصر على لغة الكتب، وبالتالي فإنها لا تتفق مع أهداف تعلم وتعليم اللغات الأجنبية في شكلها الحديث بعد ثورة المعلومات والاتصالات التي ظهرت بداياتها في العقود الأولى من هذا القرن.” ونضيف أن الانتقادات الموجهة لهذه الطريقة قد تجاوزت كل ما يتعلق بالقواعد والترجمة لتشمل مختلف اهدافها وأساليبها التقليدية التي لا تتناسب وقدرة المتعلم.
ويرى الأستاذ وليد العناتي نقلا عن ويلغا ريفرز Wilga Rivers ، أن هذه الطريقة قاصرة فيما يتعلق بالمعلم والمتعلم، كما أنها تسبب مشكلات كثيرة تحد من الجانب الإبداعي الخلاق لأطراف العملية التعليمية المتمثلة أساسا في المعلم والمتعلم والكتاب.فاعتماد هذه الطريقة جعل هم المتعلم متمركزا في إنهاء جميع التدريبات التي يحتويها المقرر الدراسي في المدة الزمنية المحددة، ومن ناحية أخرى فإنها تحد من قدرة المعلم على الإبداع والتوسع في تخطيطه لمسيرة الدرس الواحد أو الكتاب كاملا، ذلك أنه مقيد بمضمون الكتاب فحسب، وهو معتاد على تتبع الكتاب صفحة صفحة.” ويضيف في موضع آخر، بأن هذه الطريقة تعتمد أكثر على ” حشو عقول الدارسين بالقواعد الجافة والتصريفات العميقة والنصوص المعقدة، مما يجعلهم بعيدين عن التعبير الحر والانطلاق والابتكار في أساليب شخصية تدل على آرائهم وميولهم ورغباتهم، كما أنها تعتمد الطريقة القياسية في التعليم، التي تقوم على عرض القاعدة ثم إعطاء الأمثلة التي ترسخها وتدعمها، وفيها يستظهر المتعلم القاعدة عن ظهر قلب، ثم لا يستطيع توظيفها التوظيف الطبيعي في مواقف طبيعية واقعية.” وإلى جانب كل ما ذكر يمكن القول أيضا إن من الانتقادات التي وجهت لهذه الطريقة اقتصارها على وسائل وتقنيات تدريسية بسيطة وتقليدية لا تتعد الكتاب أو المقرر والمعجم.
ورغم الانتقادات الموجهة لهذه الطريقة، شكلا ومضمونا من طرف أغلب الباحثين، إلا أنها في المقابل ، تعمل على إغناء وتنمية الرصيد المعجمي للمتعلم بكافة قواعد وأساسيات علم اللغة، كما أنها تزود المتعلم بقدرات تحليلية تجعله قادرا على تحليل المتون القديمة تحليلا سليما وممنهجا، وذلك من خلال التعرف على مختلف المفاهيم والقضايا اللغوية، وبهذا تكون قد ساهمت في صقل مواهب المتعلمين ومهاراتهم الإبداعية والتحليلية.

2-5 الطريقة المباشرة.The Direct Approach

ارتبط ظهور هذه الطريقة كرد فعل قوي على طريقة النحو والترجمة التي سادت أوروبا جلال القرن التاسع عشر، إذ شكلت هذه الطريقة ثورة وتجديدا على مختلف أساليب ومحتويات وأهداف الطريقة التقليدية، حيث قامت بتجاوز كل ما يتعلق بتحليل النصوص الأدبية القديمة، أما فيما يخص القواعد اللغوية الجافة وترجمتها فلم يبق لها دور مركزي، وفي المقابل، أصبح تدريس هذه القواعد اللغوية، من منظور الطريقة المباشرة، يتطلب معرفة واسعة بغية تطبيقها وتوظيفها بشكل منظم في مختلف السياقات اللغوية، وقد ارتبط ظهور هذه الطريقة أيضا ” بظهور اللسانيات الوصفية والتطور الكبير الذي أصاب علمي النفس والأنتروبولوجيا. ويعتبر فرانسوا جوان من أباء هذه الطريقة في القرن التاسع عشر. وهي تقوم على افتراض نظري مؤداه التماثل التام في اكتساب اللغة الأم وتعلم اللغة الأجنبية، مما يقتضي إقصاء الوسيط اللغوي المتمثل باللغة الأم من العملية التعليمية والاعتماد على اللغة الهدف فحسب”. ونجد أن هذه الطريقة، في بعض الأحيان، تسمى بالطريقة الطبيعية ” نظرا لاعتماد تدريس اللغة الأجنبية فيها على اللغة الشفوية، والابتعاد عن اللغة الأم، واختيار الجمل والعبارات المفيدة من بين تلك التي يستخدمها المتحدثون الأصليون باللغة الأجنبية.”
ومن الأسس التي تقوم عليها هذه الطريقة كون ” التعليم السليم لا يكتمل إلا بالاتصال مباشرة مع اللغة الهدف، وهي مشخصة في مواقف مادية محسوسة، لأنه لا يكفي الاتصال باللغة مباشرة كي يتم تعلمها، بل يجب أن توضع في تخطيط محكم تتضح فيه الأهداف والوسائل، وتنظم في مقررات متدرجة، تخصص لمستويات تصاعدية مختلفة . وقد قاما بتعريف هذه الأوضاع والحالات المحسوسة رائدا الطريقة المباشرة ومبتكراها، وهما الباحثان ” برليز D .Berlitz بألمانيا، وكوين Gouin بفرنسا.”
أما فيما يخص تقنية تدريس القواعد اللغوية ، فإننا نجد أن الشائع في هذه الطريقة هو كونها تعتمد أكثر على الطريقة الاستقرائية عوض الطريقة الاستنباطية، حيث يقوم المدرس بتقديم مجموعة من الأمثلة للمتعلم الذي يقوم باستخراج القواعد منها وتطبيقها على بُنى وأمثلة لغوية. ومن المبادئ التي بقوم عليها هذه الطريقة نجد مثلا أنه” يمنع منعا تاما، أثناء تعليم الفصحى، استعمال الدارجة أو أية لهجة أخرى، حيث لم يبق لعملية الترجمة أي دور . ولتلافي هذه العملية، فقد كانت الفصول تعد خصيصا للغة المراد تدريسها، حيث يَعمدُ المدرس إلى الجمع بين الوسائل السمعية البصرية واستعمال الرسوم والصور، وكل الوسائل التوضيحية لتحقيق هدف الفهم، وشرح الكلمات وتفسير العبارات. كل ذلك انطلاقا من العبارة القائلة بأن الترجمة تعطل نمو تعلم اللغة الهدف وتخلق صعوبات، نتيجة إقحام نسق لغوي خاص في نسق آخر مخالف له تماما، فتنتج عن ذلك آفات مختلفة سببها الرئيسي التركيز على التداخلات فيما بين الأنظمة والأنساق.” ويرى العناتي نقلا عن روجرز ورتشارد، أن من بين مبادئ هذه النظرية، كون التعلم في قاعة الدرس يتم كله باللغة الهدف، كما أن هذه الطريقة تقوم على تقديم مهارات الاتصال الشفوي في تسلسل متدرج وهي تبنى على تبادل الأسئلة والإجابات بين المدرس والمتعلمين في قاعات الدرس ذات الأعداد القليلة، هذا بالإضافة إلى أنها تعلم النحو بطريقة استقرائية واستنباطية، والمادة اللغوية الجديدة تقدهما شفويا.
ولعل أهم مبدأ تقوم عليه هذه النظرية، في نظرنا، هو كونها تقدم الكلمات والمفردات اللغوية القابلة للملاحظة والإدراك على شكل صور واضحة، من شأنها أن تساعد على فهم معناها وإدراك دلالتها، مما يجعل ترسيخها في ذهن المتعلم يتم بسرعة. كما أنها قامت بتجاوز مهارة الترجمة وتحليل القواعد اللغوية، إلى مهارات أخرى أكثر نجاعة ودقة، وذلك من قبيل تركيزها على المهارات الشفوية. هذا إلى أنها ردت الاعتبار لمبدأ الدلالة عوض الشكل، من خلال ربط الألفاظ بدلالاتها اللغوية، عوض التركيز على كل ما هو جاف.كما أنها قامت بتجاوز الأسلوب القائم على الحفظ والتخزين إلى أسلوب آخر أكثر فاعلية ودينامية. وإلى جانب كل هذه الامتيازات، فهذه الطريقة تمتاز كذلك ” بالربط اللغوي بين الرمز اللغوي ومضمونه، وتوظيف اللغة الجديدة في مواقف طبيعية ملائمة تساعد الطالب على الاستعاب والتذكر.”
أما بخصوص الامتيازات، فالملاحظ أن الطريقة المباشرة، كمثل باقي الطرائق الأخرى تمتاز بمجموعة من المميزات، فهي من جهة تعتبر ممتعة في تدريس اللغة من خلال اعتمادها المباشر على أسلوب التفاعل والحوار بين المتعلمين داخل الفصل الدراسي، مما يساعد في إبراز الفروق الفردية بين المتعلمين من جهة، ومساعدة المتعلم على تجاوز كل ما يتعلق بحالته النفسية من خوف وخجل…إلخ. كل هذه الامتيازات جعلت الطريقة المباشرة تحظى بأهمية بالغة في تدريس اللغات، لكن التطور الهائل الذي عرفه مجال تدريس اللغات أدى إلى اضمحلال واختفاء هذه الطريقة، بعدما ظهرت طرائق جديدة وأكثر حداثة، تجاوزت كل ما أتت به هذه الطريقة وذلك على جميع المستويات.
ومن عيوب هذه الطريقة نجد أنها تحتاج إلى أساتذة أجانب يتقنون اللغة الأجنبية أو يتحدثونها بطلاقة كما يتحدث الأجانب اللغة الأجنبية، لذا فليس كل الأساتذة مقيدون بمبادئ هذه الطريقة، كما أن هذه الطريقة لها نتائج عكسية مادام الأساتذة مطالبون، بإلحاح كبير، بتجنب استعمال اللغة الأم أثناء التدريس.هذا إضافة إلى أن هذه الطريقة ” تغفل شرح قواعد اللغة المدروسة، ولو بأسلوب موجز. وهذا أمر لا يكاد يستغني عنه الباحث على وجه الخصوص، حين يدرس أية لغة أجنبية ليساعده على إلمام أفضل بتلك اللغة.”

3-5 الطريقة السمعية الشفوية ( البصرية ).Audiolingual/Visual Approach

تعد هذه الطريقة من أهم الطرائق التقليدية في تدريس اللغات الحية، وذلك راجع أساسا، إلى تركيزها على مهارتي الاستماع والمحادثة، حيث يقوم المتلقي-حسب هذه الطريقة- والمتمثل في المتعلم بالاستماع الجيد إلى كل ما يتلفظ به المتكلم أو المدرس من عبارات لغوية، ثم بعد ذلك يعمل على تحليلها وتفكيكها استعدادا لعملية الإنتاج وإعادة إرسالها بطريقة شفوية. وبالتالي فاهتمام هذه الطريقة لا يكون منصبا إلا على كل ما هو منطوق وشفوي. وقد تلجأ أحيانا هذه الطريقة إلى الاعتماد على عناصر ووسائل بصرية، كالصور والرسوم التوضيحية ، التي من شأنها أن تساعد المتعلم على تكوين تصور واقعي وفهم حقيقي عن كل ما يتعلمه، وذلك من ترسيخه، بسرعة، في الذهن.
وترجع أصول هذه الطريقة حسب الباحثان نايف خرما وعلي حجاج، إلى “أعمال علماء اللغة البنيويين، وعلماء الإنسان الذين كانوا يجرون دراساتهم على مختلف اللغات التي يتحدثها الهنود الحمر في نفس الوقت الذي كان علماء النفس يصوغون نظرياتهم السلوكية، مثل نظريات الارتباط والاشراط والدافع” ، والتي توصلت إلى نتيجة مفادها أن استخدام وتعلم اللغة لا يعدو كونه مجرد عادة مثل باقي العادات الأخرى التي تتطور وتنمو اعتمادا على مبدإ التعزيز وتختفي نتيجة لعنصر الإطفاء. وهناك من يرى أن جذور هذه الطريقة تعود إلى أعمال بعض اللسانيين البريطانيين، وذلك سنة 1930، حيث قام عدد من الباحثين بتطوير هذه الطريقة من أجل مبدإ منهجي لتدريس اللغة ومن بينهم Harold palmera & A.S.Hornby :، وهؤلاء كانوا على دراية بأعمال الباحث اللساني دانيال جونز Jones Daniel، وقد استعملت هذه الطريقة، أساسا، لتدريس اللغة الإنجليزية. وقد كانت هذه الطريقة، إلى حد ما، مقبولة في تدريس اللغة الإنجليزية في بريطانيا قبل سنة 1950، ومن بين رواد هذه الطريقة في ستينات القرن العشرين نذكر الأسترالي جورج بيتمان George pittman، حيث كان له أثر كبير في تطور وسائل تدريس اللغات ، وذلك بالاعتماد على المنهج الوصفي. وقد أكدت النظريات الإنجليزية الحديثة أن هذه الطريقة تستعمل، بشكل واسع، أثناء الكتابة، كما أن عددا من المقررات الدراسية معتمدة عليها بشكل كبير.” ومن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها هذه النظرية نذكر:

1-3-5 اللغة هي الكلام المنطوق، لا الكلام المكتوب.

حيث يؤكد أصحاب هذه الطريقة السمعية الشفوية على تعليم الكلام المسموع والكلام المنطوق قبل القراءة والكتابة. وقد صاحب هذا التأكيد تأكيد مماثل على النطق والتنغيم الصحيحين. وقد اعتبر تقديم القراءة والكتابة في وقت مبكر من تعلم اللغة الأجنبية مغايرا لطبيعة اكتساب اللغة الأصلية أولا، وضارا بتعلم اللغة الأجنبية ثانيا.” وبالتالي فالمتعلم، وفق هذه الطريقة، مطالب أولا، باكتساب وتنمية مهارة المحادثة قبل التمكن من مهارة القراءة. ثانيا، لا بد للمتعلم من التركيز على كل ما هو منطوق قبل التركيز على كل ما هو مكتوب، وهذه القيود كلها جعلت من المتعلم يراعي الترتيب المنطقي للمهارات اللغوية أثناء تعلمها، في محاولة منه لتجاوز كل الصعوبات التي قد تعترضه. وفي هذا الصدد يرى العناتي نقلا عن ويلغا ريفرز ” أن هذه الدعوة لتعليم القراءة قبل الكتابة جعلت بعض الناس يعتقدون أن هذه الطريقة تهمل الأشكال الكتابية. ولكن هذا الافتراض يظهر خطؤه في المراحل المتقدمة من هذه الطريقة، إذ تركز على تعلم المهارات اللغوية الأربع : الاستماع والكلام والقراءة والكتابة.”

2-3-5 اللغة مجموعة من العادات.

لا يختلف اثنان في كون اللغة، من منظور سلوكي، مجرد عادة كباقي العادات الاجتماعية والثقافية الأخرى التي يتم اكتسابها عن طريق المران والتعود والتكرار. أي أن المتعلم يكتسب اللغة كما يكتسب المشي والأكل وطريقة الوقوف..إلخ، وهذا ناتج بالأساس عن تأثير النظريات السلوكية في تعلم اللغة. وبناء عليه ” كانت أساليب التدريس المتبعة تقوم على المحاكاة والتقليد وحفظ الأنماط اللغوية باعتماد التدريب المتواصل على استظهارها في محاولة لامتلاك ناصية البنية اللغوية واستدعائها عند الضرورة في مواقف مشابهة بطريقة آلية .” وعناصر هذا المبدأ تظهر لدى التلاميذ أثناء القيام بالعملية التعليمية، على شكل سلوكات نفسية وفطرية، يطبعها طابع العفوية. كأن يظهر الحافز على شكل أسئلة يطرحها المدرس، أو يتجلى في مشاركة التلميذ مشاركة فعالة في الدرس، واستعداده الدائم للقيام بأنشطة وتداريب دراسية، كانجازه باهتمام لبعض التدرايب اللغوية، أو تطوعه للبحث عن مواد دراسية أو المشاركة في أنشطة حرة، كالموائد المستديرة والعروض الخ…كما يتجلى نمو اهتمامات التلاميذ في يقظة غريزة حب الاطلاع والتشوف للمعرفة، أو إثبات الذات بمحاولة التفوق عن باقي أفراد المجموعة عن طريق المنافسة. أما عنصر الاستجابة فيتجلى في نمو الإحساس بالتفوق والرضا عن النفس .” وبالتالي وجب على كل مدرس للغة أن يعتمد المنافسة بين المتعلمين ويتخذها عنصرا أساسيا لتحقيق نتائج جيدة أثناء التعلم.

3-3-5 على المعلم أن يعلم اللغة ذاتها، لا أن يعلم معلومات عن اللغة.

وهذا المبدأ يفرض على المدرس أن يقوم بتعويد وتدريب الطلبة داخل الفصل على التمكن من استخدام مختلف الأنماط اللغوية وتوظيفها بشكل طبيعي في مختلف السياقات، ” لا أن يبدد الوقت في تقسيم الجملة إلى مبتدأ وخبر، أو تقسيم الأفعال إلى ماض وحاضر ومستقبل، أو تحويل الجملة من صيغة المبني للمجهول إلى المبني للمعلوم. وغير ذلك من التمارين التي تدور حول اللغة، ولا تدرب الطلبة على استخدام اللغة ذاتها.” ويرى الباحث بوشوك أنه في هذا الأساس يمكن الاعتماد على البينات les datas المستخرجة من الاستعمال اللغوي نفسه لاستقراء واستنباط القواعد، عوض الضوابط النحوية الجاهزة بطريقة تلقينية إلقائية، تليها تمارين، قد لا تفيد في شيء نمو الملكة اللغوية.”
5-3-4 اللغة هي ما يقوله المتكلم الأصلي، لا النموذج المثال.
هذا المبدأ يفرض على المتكلم أن يستخدم اللغة الأصلية، لا أن يستخدم الأنماط اللغوية الأخرى. وهنا يكمن الفرق الأساس بين الطريقة السمعية الشفوية من جهة، والطريقة التقليدية من جهة ثانية. ففي الطريقة السمعية الشفوية يتدرب الطلبة على أنماط لغوية يستخدمها الناطقون الأصليون باللغة فعلا، بغض النظر عما إذا كانت هذه الأنماط اللغوية مقبولة أم غير مقبولة من دعاة تطهير اللغة من كل ما لم يرد في الكتب الأدبية. فالصيغ اللغوية الدارجة لا بد من تعلمها تماما كما يجري تعلم الصيغ التي تستخدم في المستويات الأدبية العليا.”

4-3-5 اللغات تختلف فيما بينها.

قلنا، في البداية، إن أصول هذه الطريقة ترجع إلى أعمال اللسانيين البنيويين الذين انتقدوا أسس ومبادئ النظرية التقليدية، التي كانت تعتمد على “الأنماط اللغوية الخاصة باللغة اللاتينية، واعتمادها الكبير على الترجمة من الأجنبية إلى اللغة الأصلية، كما أنها كانت تعتمد على المفهوم القائل إن الصيغ والتقسيمات الأساسية واحدة في جميع اللغات، أي أن هناك ما يسمى بالصفات الكلية المشتركة بين جميع اللغات.لكن الطريقة السمعية الشفوية ترفض هذا المفهوم، وتنظر إلى كل لغة على أنها مختلفة كثيرا أو قليلا عن أي من اللغات الأخرى” .و قد ذهب سوسير في نفس الاتجاه قائلا ” ليس في اللغة إلا الاختلافات، فكل اختلاف يفترض على العموم حدودا إيجابية يقام بينها، لنأخذ الدال أو المدلول ،فإن اللغة لا تتضمن لا أفكارا ولا أصواتا، ولا الأصوات التي ستوجد قبل النسق اللغوي. بل فقط الاختلافات المفهومية والاختلافات الصوتية المنحدرة من هذا النسق.” ومن هنا فقد ركزت هذه الطريقة على الفروق بين اللغات، خصوصا في مجال الأصوات والتراكيب اللغوية، كما ركزت على تعليم التعابير الاصطلاحية Idioms الخاصة باللغة الأجنبية، وابتعدت عن أسلوب الترجمة إلى حد كبير.”
وتتميز الطريقة السمعية الشفوية بمجموعة من الخصائص والتقنيات والتي أجملها براون D.Broown فيما يلي:
– الاعتماد كثيرا على المحاكاة وتذكر العبارات وزيادة التعلم وعدم الاهتمام بالشروحات النحوية، فالنحو يعلم بالقياس الاستقرائي لا بالشرح الاستنباطي.
– عدم السماح للمدرس باستعمال اللغة الأم في الشرح، إلا عند الضرورة والاهتمام الكبير بالجانب النطقي الشفوي .
– تشجيع الطلاب على إنتاج لغة خالية، بدرجة كبيرة، من الأخطاء وبشكل خاص، من الناحية الصوتية النطقية وتعزيز الاستجابات الناجحة.
ومن التقنيات الأساسية التي تركز عليها هذه الطريقة ، تركيزها الواسع على ” الحوار الذي تقدم من خلاله مصطلحات ومفردات كثيرة الشيوع في التعامل اليومي حيث تحفظ جمل الحوار عن ظهر قلب واحدة فواحدة. ويقوم هذا الحوار على لسان المعلم أو لسان متحدث أصلي.”
وقد تعرضت هذه الطريقة بدورها إلى مجموعة من الانتقادات ولعل أبرزها تلك التي قامت بها الباحثة Wilga Rivers ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أن المتعلمين وفق هذه الطريقة يدربون مثل الببغاء لنطق ما يسمعون ويعيدون إنتاجه مع كل مثير، دون التفكير في المواقف الاتصالية باعتماد المجموعات الصفية.
أن استخدام تدريبات الحفظ والتكرار في هذه الطريقة يدفع المتعلم إلى الضجر والملل، وهذا صحيح إذا ما طبقه معلم محدود الخيال بصرامة، ودون تحسن لردود أفعال الطلبة.
أن التطبيق الناجح للطريقة السمعية الشفوية، يتطلب الابتكارية وسعة الاطلاع من جانب المعلم، الذي يستطيع التعامل مع تقنيات هذه الطريقة ورغبات المتعلمين وميولهم بشكل مناسب.
الإفراط في التدريب الآلي والابتعاد الكلي عن شرح القواعد اللغوية.”
وعلى الرغم من النجاح منقطع النظير والانتشار الواسع اللذين لاقتهما هذه الطريقة من قبل المدرسين والمتعلمين لكونها استجابت، في مرحلة من المراحل، لمختلف تطلعاتهم وتوجهاتهم المعرفية، إلا أن التطورات التي شهدها حقل تدريس اللغات أثرت بشكل سلبي على عمل هذه الطريقة، حيث ظهرت اتجاهات وطرائق معرفية حديثة انتقدت المبادئ والأسس التي قامت عليها الطريقة السمعية الشفوية، الشيء الذي جعلها تعرف نكوصا عميقا أمام طرائق ومقاربات أخرى أكثر تطورا.
وعموما، فالتغيرات التي شهدها علم اللغة، خصوصا في الجانب المتعلق بالتعليم والتعلم، أدت إلى تجاوز مختلف المقاربات والطرائق والنظريات التي كانت تعتبر اللغة مجرد عادة كباقي العادات الاجتماعية الأخرى، تكتسب عن طريق مجموعة من الاستجابات الناتجة عن مجموعة من المثيرات، وكونها أيضا مجرد قواعد جافة، إلى كونها وسيلة للتواصل الفعال والتعبير عن مختلف الحاجات والأغراض بأقل جهد ممكن. ومن هذه الطرائق الحديثة نذكر: الطريقة التواصلية وما بعد التواصلية المتمثلة في طريقة الأنشطة والمهام.

4 – 5 الطريقة التواصلية الإدماجية.Communicative Approach

يعد التواصل، اليوم، من بين العلوم والتقنيات الحديثة التي لا يمكن الاستغناء عنها في تعليم اللغات الحية، وذلك لأهميتها البالغة في حياتنا، إذ أضحى الناس يتعلمون اللغة بغية تحقيق تواصل حضاري مع مختلف الشعوب والحضارات. وهذا الأمر يتطلب التركيز والنظر إلى عنصر الثقافة والمجتمع باعتبارهما العاملان الأساسيان لتحقيق التواصل الفعال. ” هذا ويعد التواصل باللغة من أرقى مظاهر التواصل بين الناس، لأنها الشكل التعبيري الأكثر انتشارا وسهولة وتداولا. لذا ركزت أغلب الدراسات، لاسيما اللسانية منها، على دراسة اللغة من كافة جوانبها النحوية والتركيبية والصرفية والأسلوبية والدلالية والتداولية.”
إن الهدف الأساسي من تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بطريقة تواصلية إدماجية هو بناء كفاية تواصلية لدى المتعلم، “إذ يرتبط معيار تحقق الكفاية التواصلية في بيداغوجيا تعليم اللغات بقدرة المتعلم على استعمال اللغة في مقام تواصلي محدد استعمالا جيدا” ، وهذا لا يتحقق إلا بوجود طاقات أخرى تدعم وتكون أساس القدرة التواصلية، هذه الطاقات هي التي أجملها اللساني الوظيفي “سيمون ديك” في خمس، وهي كالتالي: “الطاقة اللغوية وهي المسؤولة عن إنتاج العبارات اللغوية، والطاقة المعرفية وهي التي تمكن مستعمل اللغة من بناء قاعدة معرفية منظمة واستعمالها عن طريق صياغة معارفه في صور لغوية مناسبة.ثم هناك الطاقة المنطقية والطاقة الإدراكية والطاقة الاجتماعية.
يفيد هذا، من بين ما يفيد، أن توفر الطاقات اللغوية والمعرفية والإدراكية والاجتماعية والمنطقية شرط أساسي وضروري لتعلم اللغة، فتعلم اللغة حسب النظريات الحديثة “لا يقف عند حدود تعلم القواعد النحوية بل يتعداه إلى تعلم كيفيات الاستعمال وفق القواعد الاجتماعية والثقافية الخاصة بتلك اللغة.”
إن هذا التداخل والاحتكاك والتفاعل بين هذه الطاقات الخاصة والقائمة على أدوار مختلفة، لهو العامل الرئيسي في تكوين قدرة تواصلية لدى المتعلم، والتي تجلعه قادرا على التواصل في مختلف المقامات التواصلية، ولا يمكن أن يتحقق هذا المراد” إلا إذا وضع المتعلم في محيط لغوي يشبه- قدر الإمكان- المحيط الطبيعي للغة المتعلمة. والمنهج الذي يلبي هذا المطلب هو المنهج التواصلي في التعليم حيث يعمد إلى دفع المتعلم إلى التواصل باللغة الأجنبية في مقامات مختلفة رغم معرفته البسيطة بالمفردات المعجمية ومعرفته الضئيلة بالقواعد النحوية.”
من هذا المنطلق العام، وانطلاقا من هدف تعليم اللغة بطريقة تواصلية إدماجية، المتمثل في تنمية القدرة التواصلية لدى المتعلمين لكي يتواصلوا مع مختلف الأفراد، وأن يبدعوا ويكونوا عددا غير محصور من الأشكال التعبيرية المقبولة دلاليا وتركيبيا واجتماعيا، جاء تركيزنا على الطريقة التواصلية الإدماجية في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، لما لها من إيجابيات داخل العملية التعليمية التعلمية، وما لها من أهمية بالغة، إذ تعتمد على إدماج المتعلم في عملية التعلم، كما تقوم على إدماج المهارات اللغوية في التدريس والنظر إليها بطريقة كلية وتكاملية واعتماد الشمولية عند تناولها، وذلك من أجل تحقيق تعليم فعال.
إن المتأمل في تاريخ الطرائق التقليدية يجد أن روادها كانوا يركزون أكثر على دراسة التراكيب والتعابير اللغوية وتعلمها، وكذا تحليل النصوص الأدبية وترجمتها إلى اللغات الأم. كما أن بعضا من هذه الطرائق، ولاسيما السمعية الشفوية كانت تركز على إتقان اللغات الأجنبية قصد توظيفها واستعمالها في مواقف معينة ولأغراض محددة، ومن هذه الأغراض استخدام اللغة كوسيلة للتواصل إبان الحرب العالمية الثانية. وبعودتنا إلى الطريقة التواصلية نجد أنها جاءت، حسب عدد من المهتمين والمتخصصين،كرد فعل فعل قوي على الطريقة السمعية الشفوية، ويظهر لنا هذا الرد جيدا، في كونها قامت بتجاوز النظرة التقليدية للغة وكذا طريقة وصفها. كما أنها قامت بمجموعة من الإجراءات والتغييرات على مستويات عدة يأتي في مقدمتها، تجاوزها للأساليب والتقنيات السلوكية التقليدية المستعملة في تدريس اللغة، وكذلك انتقادها اللاذع للأسس والمبادئ السائدة قديما. هذا بالإضافة إلى أنها أعادت النظر في مضامين ومحتويات التعليم والتعلم التقليدية. هذه الثورة العلمية التي قامت بها الطريقة التواصلية، والتي فيها دعوة أساسية لمراجعة كل ما هو تقليدي في تعليم اللغات، لم تقتصر فقط على طرائق تدريس اللغات، بل جاءت في نفس الوقت، كرد فعل أيضا على النظرية التوليدية لتشومسكي التي اقتصرت على دراسة اللغة في معزل عن الموقف والسياق الاجتماعي والثقافي*. كما أنها ” لم تأت عبثا أو اعتباطا، بل جاءت نتيجة للتطورات المستجدة في مجالات عديدة أهمها: ظهور النظريات اللغوية الجديدة مثل نظرية القواعد التوليدية التحويلية، ونظريات التعلم، خصوصا النظريات المعرفية وانعكاساتها على تعلم اللغات الأجنبية، ونظريات علم اللغة الاجتماعي الذي أخذ يركز على قواعد وأساليب استخدام اللغة في المجتمع، وعلى الوظائف اللغوية التي تتحقق من خلال ذلك. ثم هناك تزايد الشعور والحاجة إلى تعلم لغات أخرى بعد ثورة الاتصالات والمعلومات اللتين كسرتا احتكار تعلم هذه اللغات من قبل جماعة معينة دون غيرها. وأخيرا ظهور التقنيات الحديثة وسرعة وسهولة تداولها واستخدامها” . وبالتالي فكل هذه التغيرات والإصلاحات التي نتجت بفعل ظهور نظريات معرفية حديثة تركز على الجانب التواصلي، دفعت الكثير من المتخصصين إلى إعادة النظر في طرائق التدريس التقليدية بصفة عامة.
إن ما يميز الطريقة التواصلية عن باقي الطرائق الأخرى هو كونها تجعل، بدرجة أساس، من “الأنشطة التواصلية المختلفة محور اهتمامها وغايتها النهائية ومناط مقصدها. كما أن الطريقة قامت بتقديم مجموعة من المساهمات في إطار تعليم اللغة، وتتمثل هذه المساهمات في تقدم التطبيق الكلي للمهمة. إذ لابد من من التفريق بين التدريب على المهارات الجزئية التي تتكون منها الكفاءة وبين تطبيق المهارات الكلية. ويتم ذلك داخل غرفة الصف بأنشطة تواصلية مختلفة تبنى لتناسب مستوى التلميذ.كما أن هذه الطريقة تتمحور حول الطالب، وليس حول المتعلمين فهي طريقة مرنة تتيح للمتعلم أن يقوم بمختلف الأدوار التي لم الطرائق السابقة تتيحها إلا نادرا.ومن بين المساهمات أيضا، أن هذه الطريقة تهتم بالأنشطة التي تخلق مواقف لغوية واقعية حقيقية لاستخدام اللغة مثل توجيه الأسئلة وتسجيل المعلومات واستعادتها وتبادل المعلومات والأفكار والذكريات.” وإلى جانب كل هذه المساهمات نجد أن هذه الطريقة تولي اهتماما كبيرا للكفاية اللسانية والقدرة على التمييز بين مختلف الأشكال التي تمثل جزءا من الكفاية اللغوية، إضافة إلى كون المهارات اللغوية المستخدمة وسيلة للتواصل الفعال.كما أنها تركز على أغراض التعلم وردود الأفعال وتجعل من التفاعلات بين الطلاب الوسيلة الأساسية للتواصل.”
إن توظيف الطريقة التواصلية، كمنهج أساسي، لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها بإمكانه أن يسهم في خلق نوع من التحفيز بين المتعلمين، كما من شأنها أن تبرز الفروق الفردية بين الطلاب، غذ تتيح هذه الطريقة المتعلم على تجاوز مختلف الصعوبات اللغوية والنطقية. كما أنها تهدف إلى إغناء الملكة التواصلية للمتعلمين وتنميتها في وقت وجيز وبأقل جهد ممكن. وهذا ما أكده الباحث المصطفى بن عبد الله بوشوك بقوله:” وقد تبين بأن اعتماد المقاربة التواصلية كمنهجية قصد معالجة بعض الصعوبات، ومن أجل تنمية القدرات والمهارات اللغوية لدى التلميذ، قد ساعد المتعلمين على استضمار قدرة تصاعدية في المرافعة، وأكسبهم نفسا متناميا في المداخلة، نطقا وكتابة، إضافة إلى تخطي عدد من الصعوبات اللغوية، مع اقتصاد في الجهد والوقت” .
ولا شك أن اعتماد هذه الطريقة في التدريس قد خلخل النظام العام للعملية التعليمية، وقام بتغيير راديكالي شمل مختلف مكونات ومضامين هذه العملية، إذ أصبح المتعلم وفق توجهات هذه الطريقة محور العملية التدريسية وبؤرة اهتمامها، حيث تتيح له القيام بمختلف الأدوار والمهام التي عجزت الطرائق السابقة عن توفيرها له. أما المدرس، فدوره يقتصر على توجيه نشاطات المتعلمين التواصلية بطريقة تتماشى ورغباتهم. وهذا ما أشار إليه الباحث المصطفى بن عبد الله بوشوك قائلا:” ومن البديهي أن هذه تبني هذه المقاربة التواصلية، يتطلب تغييرا جذريا للأدوار التي يضطلع بها المدرس، حيث لا يصبح مركز الكلام، بل عنصرا من عناصر تنشيط التواصل وتوجيهه. ولا يجب أن يقتصر دوره على تقسيم المراحل الزمنية لمضمون الدرس، لأنه من الأدوار الأساسية التي يجب أن يقوم بها المدرس في عملية تعليمية، هي معرفة كيف يراقب باستمرار مستوى النشاط اللغوي لكل تلميذ، كما يجب عليه أن يعمل على تجنب المواقف المثيرة للمراوغات، والأسئلة التي تتطلب أجوبة جاهزة أو سهلة، أو أجوبة بنعم أو لا. الشيء الذي يسمح للتلميذ بحسن التملص والمراوغة. ويقترح بعض الباحثين اعتماد ثلاث مراحل أساسية عند استثمار المقاربة التواصلية، وهي: الشرح والتفسير، ثم الحوار والتقويم.”
ومن الأهداف التي تقوم عليها هذه الطريقة نجد أولا، أنها متكاملة على مستوى المحتوى، حيث اللغة تعد وسيلة للتعبير ونظاما سميائيا يسعى إلى هدف تعليمي.كما تؤثر في العلاقات الشخصية السلوكات، إذ اللغة وسيلة للتعبير عن القيم والأحكام.”
لم يبق لنا في الأخير، إلا أن نقول إن الطريقة التواصلية، قد تعرضت لمجموعة من الانتقادات والاعتراضات، شأنها في ذلك شأن باقي الطرائق السابقة، وذلك على المستوى المنهجي، ومن هذه الانتقادات نذكر:
– إن الطريقة التواصلية تظل واحدة من بين عدد من الطرائق الأخرى. وإن تركيز الطريقة على استخدام اللغة، لا على مجرد التراكيب اللغوية، لا يعني أن تلك هي الطريقة الفضلى. إذ من الممكن لمتعلم ما، وصل إلى مستوى متقدم من التقدم من التراكيب والمفردات في اللغة الأجنبية، أن يستخلص لنفسه الوظائف اللغوية الخاصة في الموقف التواصلي.
– الطريقة التواصلية، بتركيزها الشديد على الوظائف اللغوية والمواقف الاجتماعية، إنما تقوم على حضارة تلك اللغة. ولا يكمن، في تعليم اللغات الأجنبية- وخصوصا خارج أوطانها( مثل تعليم اللغة الإنجليزية للطلبة العرب في البلاد العربية مثلا)-خلق بيئة حضارية أجنبية كاملة.
– تهدف الطريقة التواصلية إلى تمكين الطالب من إتقان اللغة الأجنبية إتقانا تامّا، كما لو كان واحدا من الناطقين الأصليين بها.”
– إن إجراء الاختبارات في هذه الطريقة يعد مشكلة حقيقية، إذ لا توجد اختبارات محددة تقيس المهارات التواصلية. ولعلّه من الصعب إجراء الاختبارات التواصلية، ولكن هذا ليس مستحيلا بإطلاق، إذ يمكن خلق بيئة تواصلية داخل الصف، أو بالطلب إلى التلاميذ إجراء مقابلات مع أفراد من مجتمع اللغة وتسجيلها صوتيا أو كتابة.”
وخلاصة القول، نستنتج أن الهدف الأساسي من تعليم وتعلم اللغة، بطريقة تواصلية، هو إغناء وإثراء ملكة المتعلمين التواصلية والخطابية.

5-5 طريقة الأنشطة والمهام.

تعد هذه الطريقة من أحدث الطرائق التي استقر عليها تدريس اللغات حتى الآن، وذلك راجع بالأساس إلى نظرتها المغايرة والمخالفة للطرائق السابقة لمجال تدريس اللغات الأجنبية. فإذا كانت طريقة النحو والترجمة تحاول تدريس القواعد اللغوية بطريقة آلية والطريقة السمعية الشفوية تدريس اللغة بالاعتماد على مهارتي الاستماع والمحادثة، فإن هذه الطريقة قامت بتجاوز الأخطاء التي وقعت فيها الطرائق السابقة، إذ تعمل هذه الطريقة على توفير أنشطة تعليمية متنوعة تهدف إلى تنمية كفاياته الأساسية وتطوير مهاراته وتشجيعه على التعلم الذاتي والفعال.” إنها طريقة يمارس فيها المتعلمون أنشطة ذاتية قصد تنمية القدرات الفكرية على التطبيق وحل المشكلات والاكتشاف الذاتي. ومن بين هذه الأنشطة نجد: التمارين التطبيقية داخل القسم وخارجه والمعامل التربوية وتحليل النصوص والوثائق، كما نجد البحوث والعروض والواجبات المنزلية.” هذا وتعد اللغة وفق هذه الطريقة وسيلة للتنشيط وخلق الفاعلية والدينامية داخل الفصل، إذ تروم إحداث نوع من التفاعل بين المتعلمين وجعلهم يعتمدون على ذواتهم بغية الحصول على المعرفة. ومن مبادئ هذه الطريقة أنها تقوم على عنصر التحفيز الذي يعمل على خلق نوع من الدافعية لدى المتعلم واستثارة الأسئلة في ذهنه، كما أنها تراعي ملاءمة التعلمات لحاجات المتعلم وقدراته التعلمية، هذا بالإضافة إلى أنها تعتمد التدرج في تقديم المعرفة.
إن ما يميز هذه الطريقة كونها تراعي الأنشطة السوسيوثقافية للمتعلم، كما تعمل على تنويع المهام الشيء الذي يولد لدى المتعلم رغبة أكبر في التعلم. وفيما يلي سنقوم بتبيين مختلف المهارات التي تنميها كل طريقة على حدة، مع ذكر مختلف الأنشطة التي تساعد في تنمية هذه المهارات:
النحو والترجمة المحادثة والاستماع والتحليل يقوم المتعلم بالملاحظة، وبعد ذلك يقوم بوصف الظاهرة.
السمعية الشفوية الاستماع والكتابة والمحادثة يقوم المتعلم بالاستماع أولا، وبعد ذلك يقوم بإعادة الانتاج.
التواصلية الإدماجية الاستماع، المحادثة، القراءة والكتابة يقوم المتعلم القيام بأنشطة حوارية وتواصلية وذلك من أجل التفاعل.
الأنشطة والمهام. الاستماع، المحادثة، القراءة والكتابة. القيام بأنشطة تعلمية ذاتية وتفاعلية.

خلاصة:

اهتممنا في هذا البحث بوصف ورصد مختلف الطرائق والمناهج التي من شأنها أن تساعد في تدريس اللغة العربية سواء للناطقين بها أو لغير الناطقين بها، وذلك من أجل الوقوف على أنجعها في التدريس، وقد قمنا أثناء تقديم هذه الطرائق بالاعتماد على مبدأ التدرج والأهمية، فبدأت بالطريقة التقليدية المتمثلة في النحو والترجمة مرورا بالطريقة السمعية الشفوية والطريقة التواصلية التي اعتمدناها كنموذج لهذه البحث لأسباب تم ذكرها في عرض البحث ، وصولا إلى الطريقة النشيطة. كما تطرقنا أيضا إلى مختلف المناهج المستعملة في تدريس اللغة، وتوصلنا إلى أن المنهج التكاملي له دور فعال في تعليم اللغة وتعلمها، إذ يروم تقديم المعارف والمعلومات للتلميذ بشكل مترابط ومتكامل. وفي الأخير، قمت بالمقارنة بين مختلف هذه الطرائق خصوصا في الجانب المتعلق بالمهارات التي تنميها كل طريقة على حدة.
ونحن، إذ نؤكد على أهمية تنويع طرائق تدريس اللغة العربية، ندعو جميع المدرسين والمهتمين بتدريس الثقافة العربية إلى التركيز على الطريقة التواصلية الإدماجية وذلك لما لها من امتيازات دون غيرها من الطرق الأخرى، وخاصة أثناء تدريس مكون التعبير الذي يعد أهم المكونات اللغوية. كما ندعو إلى تدريس المكونات والمهارات اللغوية ككل متكامل ومنسجم.

لانحة المصادر والمراجع:
– حسيني، اطمة (2005)، كفايات التدريس والتدريس بالكفايات: آليات التحصيل ومعايير التقويم، دراسات تربوية2، الدار العالمية للكتاب.
– العناتي، وليد (2003)، اللسانيات التطبيقية وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، عمان. دار الجوهرة، الطبعة الأولى.
ـ بوشوك بن عبد الله، المصطفى (1991)، تعليم اللغة العربية وثقافتها.
– القوزي، عوض بن أحمد (2002)، تعليم اللغة العربية والتعليم المتعدد، إشراف الفاسي الفهري، عبد القادر. إعداد كنزة بنعمر وفاطمة الخلوفي، منشورات معهد الأبحاث والدراسات لتعريب.)
– اسماعيلي علوي، م امحمد (2013)، التواصل الإنساني: دراسة لسانية. دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع.
ـ الهاشمي، محمد (2012)، ديداكتيك التعدد اللغوي، تعليم وتعلم اللغات.
– البوشيخي، عز الدين (2012)، التواصل اللغوي: مقاربة وظيفية، مكتبة لبنان ناشرون.
لتعريب بالرباط. الجزء الأول. ) الناقة، محمود كامل()، تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، عين شمس.
– جابر، وليد (1991)، أساليب تدريس اللغة العربية، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان. الأردن.
– البوشيخي، عز الدين (2005)، تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من منظور وظيفي، أبحاث الندوة التي عقدتها المنظمة الإسلامية.
ـ طعيمة، رشدي أحمد (1989)، تعليم العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه.
– طعيمة، رشدي أحمد ، المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى.ية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط ، منشورات إيسيسكو.
-Christian,puren(1988).Histoire des Methodologies de l’enseigne,ent des langues. Paris :Nathan-cle international.
-Jean A, rondal(2000),le developpement du langage oral, université de liége.
-Jack.c.Richards & Theodore S .Rodgers(1986), Approaches and Methods in language teaching.Cambridge university press.
-Harmer(2001), The development of Approches & Methodes.

شاهد أيضاً

ما معنى “سياسة لغوية”؟

بشير العبيدي كنت في طائرة أوكرانية متجهة من باريس إلى كييف، عاصمة أوكرانيا. فتحتُ حاسوبي ...