الرئيسية / مقالات / تداعيات اللغة المشفرة وأثرها على المجتمع

تداعيات اللغة المشفرة وأثرها على المجتمع

المهدي فاضل

مع تقدم العصور وحدوث ثورة معلوماتية وتطور علوم التكنولوجيا، تحول العالم كله إلى قرية صغيرة جدا، حيث أصبح باستطاعة الشخص أن يحادث صديقه في أبعد الدول مع سرعة تواصل فائقة لا تتجاوز ثوان. في هذا الخضم، ظهرت مواقع عدة للتواصل الاجتماعي، كان أولها MSN الذي لقي إقبالا كبيرا، قبل أن يقل استخدامه بظهور “الفايسبوك” و”تويتر”.
وشملت حمى التواصل المجتمعات العربية مع دخول الشبكات اللاسلكية خصوصا في سنة 2010، مما أدى إلى ظهور لغة جديدة بين الشباب، تتميز بمصطلحات أو بالأحرى ألفاظ مشفرة لا يعرفها إلا من لهم باع في مواقع التواصل.
ومن بين هذه الألفاظ:
تحول الحاء إلى رقم 7 والهمزة إلى رقم 2.
ويرى خبراء وباحثون أن مواقع التواصل الاجتماعي قلبت موازين استخدام اللغة العربية، وانقسمت إلى لغات متعددة جرى فيها ابتداع مصطلحات جديدة وكلمات دخيلة، كما ظهرت لغة مكتوبة جديدة بتعابير مستخدمة، وطالت استخداماتها باستعمال الرسوم والصور والرموز والإشارات كطريقة للتعبير عن المشاعر والعواطف بدلا من الكلمات العربية، وكذلك اللجوء إلى العامية وازدواجية اللغة في التعامل مع هذه المواقع، حيث نجد عامية ممزوجة بالرموز والمفرطة اللغة العربية. والأخطر أيضا هو حالة كتابة اللغة العربية، ولكن بالأحرف اللاتينية مع إيجاد بدائل للأحرف العربية التي لا مرادف لها باللاتينية مثل العين والضاد والخاء. وهو ما جعل الدكتور حسن الشافعي يدق ناقوس الخطر بالقول إن هناك عديد من الدراسات التي تكشف اللغة العربية تتجه نحو ما يشبه الانتحار التدريجي. كما تؤكد هذه الدراسات إهمال الكتابة باللغة العربية في رسائل التواصل حتى من قبل الذين تلقوا تعليما جيدا ومن الملمين بقواعد اللغة العربية.
وتتزايد ظاهرة الكتابة باللهجة العامية بشكل قد يراه بعض المهتمين خطرا على هوية اللغة العربية، كما يلاحظ أن أغلب المستخدمين يلتجئون إلى اختصارات عدة منها:
salam = slm
salut = slt
bonne huit = bn8
connexion = cnx
ça va = cv
hamdolilah = hmd
زد على ذلك ظهور مصطلحات دخيلة جديدة من قبيل: “بلوك” و”فسبكة” و”تويتة” وغيرها من الألفاظ. فالأمثلة السابقة تؤكد على أن الاختصارات وتبديل الحروف بأرقام وكذلك العواطف إلى صور لها آثار جد سلبية على الأجيال القادمة في التواصل وتعلم اللغة؛ ومن بين هذه الانعكاسات السلبية الانعكاس على المستوى الثقافي، فاستخدام لغة مهجنة يجعل من المستوى المعرفي متدنيا شيئا ما، مع الميول إلى الثقافات الغربية وإقبار الهوية الشخصية في العالم الافتراضي.
لقد كثرت الإشكالات والتساؤلات عن موضوع اللغة الشبابية العالمية والعربية من منطلق أن هذه الظاهرة تمس السلوك الاتصالي للفرد داخل البناء الاجتماعي، بتأثير من الوسائل التكنولوجية الحديثة عموماً والانترنيت على وجه الخصوص، فثمة تغيرات أحدثتها الوسائل الإعلامية المتعددة على مستوى التواصل اللفظي والمكتوب بحكم تصادمنا مع القاموس اللغوي المستحدث في استعمالنا اليومي للغة.
وتحيل لغة التداول على لغة السلوك، وفهم الجيل هو فهم اللغة التي يتواصل بها والحاملة بدورها لقيم ممجدة لدى هذه الفئة، بحيث يجب طرح العديد من الاستفهامات حول العوامل التي أسهمت في انتشار هذه الظاهرة اللغوية، إما بذريعة الاختصار، أو بهدف صناعة لغة بعيدة كل البعد عن عالمنا الثقافي، فطبعا لا تتحمل هذه المواقع وحدها مسؤولية هذا الاندثار، ولكنها تساهم في تسريع تراجع اللغة العربية لصالح لهجات مبتكرة لا هوية لها.

شاهد أيضاً

تدريس اللغة العربية: بحث في الطرائق والمناهج.

محمد يوسفي يُمكن القول إن طرائق تدريس اللغات عموما، واللغة العربية على وجه الخصوص، قد ...