الرئيسية / مقالات / السياسة اللغويّة في المغرب بين التعليم والتّعريب

السياسة اللغويّة في المغرب بين التعليم والتّعريب

أشرف اقريطب

اخترتُ مجال التّعليم بحكم أن كل عمليات النهوض والإصلاح وتغيير الواقع تبدأ من بوابة التربيّة والتّعليم التي تبقى القطب الرئيسي الذي تتجمع عنده كل العمليات الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. كما أنّ مراكز التربيّة والتعليم هي الرحم الذي ينتج الإنسان ويهيكله، ويؤهله للعب دوره المنوط به كفاعل في الجماعة التي ينتمي إليها ويتفاعل معها.
ولما كانت عمليّة التربية والتعليم مرتبطة ارتباطا وثيقا باللغة، إذ لا يمكن لهذه العمليّة أن تتم إلا بحضور اللغة والمراهنة عليها. وهذا ما ذهب إليه عبد الرزاق التورابي بالقول إن “الحديث عن نجاح وفاعليّة ودور مؤسسات التربيّة في إنتاج وتأطير المواطن وتأهيله لا يمكن أن يستقيم إلا إذا كانت اللغة الوطنيّة ذات سيادة في مجمل العمليّات التربويّة”.
في هذا المنحى، وجب أن نشير إلى أن إصلاح اللغة العربيّة والنهوض بها في المنظومة التربوية لا يعني سد منافذ التأثير والتأثر، ولكن يعني إعطاء هذه اللغة مكانتها الحقيقية كلغة وطنية ذات ارتباط بالهوية والكينونة، وباعتبارها كذلك لغة حية فاعلة ومتفاعلة مع النسيج اللغوي العام، بالتالي من الضرورة أن نعي ونثمن دور اللغة الرسمية والدور الإيجابي للغات الأخرى.
إن الرؤية الواضحة في السياسة اللغوية في قطاع التعليم ما زالت تتخبط في شباك الغموض. فالدروس مثلا التي نرجو منها أن تكون دعامة للغة الرسميّة لا ترقى إلى مستوى التطورات المختلفة، وذلك راجع من جهة إلى الطابع القديم للمادة المدروسة في المستويات التعليميّة المختلفة، حيث إن المادة التي يقدم بها الدرس تعود إلى القرن الثاني الهجري، وهو القرن الذي عرف ظهور “الكتاب” لـ سيبويه؛ أول مؤلَف قعّد للنحو العربي. وقد استمرت هذه المادة في معظمها مع الكتب التي شرحت سيبويه أو ألفت فيما ألف فيه. ورغم الفرق الزمني الذي يربو عن اثني عشر قرنا، فإن المادة ما زالت تدرس في الجامعة من خلال كتاب شرح ألفيّة ابن مالك لابن عقيل وكتاب “المغني” لابن هشام. وهما مؤلفان من القرن الثامن الهجري، فالملاحظ هنا أنه على الرغم من أن الجامعة مؤسسة حديثا فإنها احتفظت بالطابع القديم الكلاسيكي. وهذا يدل على أن السياسة اللغوية المواكبة للتغيرات والتطورات اللغويّة وغير اللغوية انعكست سلبا على حال اللغة العربيّة.
إذا عدنا إلى مرحلة ما قبل الاستعمار، نجد فرنسا حاولت بشتى الطرق إضعاف اللغة العربيّة وجعلها في نظر المغاربة لغة التخلف والرجعية، بالمقابل سعت لوضع سياسة تعليمية مواكبة لأطماعها الاستعمارية في البلاد. في هذا الشأن، يذكر الدكتور محمد الرحالي “تركيز الحكام الفرنسيون بالمغرب على المكانة الهامة للتعليم في تثبيت السياسة اللغوية الفرنسية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للمحتل”، حيث نجحت فرنسا إلى حد كبير في إنجاح مشروع التقسيم العرقي حيث جعلت لها مدارس فرنسية بربرية يتم فيها تعليم الفرنسية للصغار مع تقديم دروس محدودة من العربية.
كان للمدارس الفرنسية البربرية هدفان، اقتصادي وإعلامي. الهدف الاقتصادي تمثل حسب محمد الرحالي في “تكوين يد عاملة طيعة ومؤهلة عمليا للمساهمة بنجاعة في رفع إنتاجية الاقتصاد الفرنسي بالمغرب الذي كانت الفلاحة تشكل إحدى دعائمه القويّة”، أما الهدف الإعلامي، فسعت من خلاله فرنسا إلى استعمال المدرسة وسيلة لتغييب الحقائق بل وإعطاء حقائق مزورة في عملية تُشبه غسل الدماغ وشحنه بالدعاية والاعتراف للوجود الفرنسي.
يمكننا تلخيص خطوات السياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية في المغرب في النقاط التاليّة:
أ). تقسيم عرقي: سعت فرنسا من خلاله إلى خلق الهوة والصراع بين البربر والعرب.
ب). إجراء تنفيذي: تمثل في إجهاض فرنسا على اللغة العربية بإضعافها وإقصائها من المدرسة المغربية ونفس الشيء مع الأمازيغية، بالمقابل تثبيت الفرنسية لغة مشتركة وموحدة عبر خلق المدارس البربرية والفرنسية، كما ذكرنا.
ج). الأهداف المرجوة: سياسية، خلق لوبيات تنتصر للغة الفرنسية، وإيقاف انتشار الإسلام بصفته موحدا وحافزا للمقاومة. إعلامية، بالدعاية وتغييب الحقائق عن المواطنين. واقتصادية، بتكوين يد عاملة مؤهلة تساعد في رفع إنتاجية الاقتصاد الفرنسي.
هكذا إذن، لمْ تكن المدرسة والتعليم عموما، في التصور الفرنسي الاستعماري وسيلة لبلوغ غاية المعرفة والحق في التعلم، بل كان وسيلة ممنهجة لتحقيق الهيمنة على المجالات الحيوية (التعليم، الاقتصاد، الطب، القضاء) من خلال محاولة القضاء على اللغة العربيّة وجعلها لغة ثانية في البلاد.
بعد رؤية واسعة لحال اللغة العربيّة وعلاقتها بالهويّة والتّشريع القانوني ومضايقات الفرنسية دخل المغرب في تحدي لغوي غير مسبوق يتجلى بشكل واضح فيما يُعرف بالتعريب. ترى منذ متى بدأت السياسة التّعريبيّة؟ وهل تمّ الوصول إلى الهدف المنشود أم لا؟
يبقى الهدف من أي إصلاح للتعليم هو رفع العار والمهانة اللذين كرستهما الأهداف الاستعمارية، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتخطيط العقلاني الحازم لبعث الحياة في المبادئ الوطنية للسياسة التعليمية في المغرب وتحيينها. إن التعميم والمجانية والتعريب ليست مقولات جامدة. بل مطالب نجد ما يبررها في الواقع الراهن، مثلما وجدت في الماضي ما أملاها وجعلها تجسم اختيار الأمة جمعاء. إن “الوطنية” بالأمس و”التنميّة” اليوم لا تتناقضان. فالوطنيّة في المغرب لم تكن في يوم من الأيام لها تعريف آخر سوى الاستعمار والتخلف، وعندما “زال” الاستعمار أصبحت تعني في الدرجة الأولى العمل للخروج من التخلف أي من أجل الوطنية، والتنمية تتطلب تعميم التعليم في المجتمع الذي عانى ويعاني من الفقر والبطالة يتطلب المجانية والتعريب: المجانية وحدها تمنح الحد الأدنى من تكافؤ الفرص، والتعريب يمكن من توصيل المعرفة إلى الشعب، إذ ليس من الممكن إخراج الشعب من لغته وإدخاله في لغة أخرى.
مما تقدم نخلص إلى أن التعريب يعني باختصار إعطاء اللغة العربية منزلتها الطبيعية كلغة قومية تضطلع بمهمة التعبير، بصفة رئيسة أساسية، على كافة المضامين والمفاهيم المتداولة في المجتمع، وتتخذ لغة عمل الإدارة والاقتصاد والإعلام وكافة مرافق المجتمع ومؤسساته.
لكن، هل استمر مفهوم التعريب بمحتواه في وطننا المغربي ليهدف إلى تحقيق وضع لغوي طبيعي، تعتبر فيه اللغة الأم لغة أساسية تماما، كما تعتمد اللغة الأم في مختلف البلدان التي لا تخضع لتعبئة لغوية ثقافية؟ وهل يظل بهذا المعنى أيضا حينما يمثل وجها من وجوه العمل الوطني والقومي، لمواصلة حركة التحرر ومقاومة الاستعمار باستئصال رواسبه في مستوى الثقافة والاستعمال اللغوي؟ وهل يدخل التعريب في إطار السياسات الحكومية الخاصة باللغات، وعلاقات اللغات ببعضها بعض والمشكلات النابعة عن ذلك؟
إذا كان المغرب قد حقق استقلاله في الخمسينات، فإنه لا يعدو أن يكون استقلالا جيوــــ سياسيا، لكنه لم يستطع أن يحقق استقلاله الثقافي والفكري واللغوي عن الاستعمار الفرنسي، الذي ترك نخبا سياسية واقتصادية وفكرية تخدم مصالحه خادمة بذلك أهدافا استراتيجية سياسية واقتصادية. بهذا نجحت فرنسا في إرساء نظام تعليمي يتماشى مع السياسة الفرنسية، وبهذا تشكيل نخب من أتباعها في الداخل والخارج.
ليبقى السؤال متى يحين موعد الاعتراف باللغة الإنجليزية (لغة العلم) لغة ثانية بدل اللغة الفرنسية التي فقدت كل مقومات العالمية؟

شاهد أيضاً

تداعيات اللغة المشفرة وأثرها على المجتمع

المهدي فاضل مع تقدم العصور وحدوث ثورة معلوماتية وتطور علوم التكنولوجيا، تحول العالم كله إلى ...

اترك تعليقاً